جريدة الشاهد اليومية

تقلقل المشهد السياسي في اسبانيا اثر قضايا فساد طالت الحزب الحاكم

أرسل إلى صديق طباعة PDF

b_800_600_0_0___images_1-2018_31c7b1fc-8c79-4890-ad92-58b743396059.jpgتقلقل المشهد السياسي في إسبانيا إثر صدور حكم قضائي يوم الخميس الماضي في قضية فساد طال الحزب الشعبي المحافظ الحاكم ووضع مصداقية رئيس الوزراء ماريانو راخوي على المحك.
وأثبت الحكم القضائي الصادر بشأن أكبر قضية فساد في العهد الديمقراطي الإسباني والمعروفة باسم (غورتيل) ان الحزب الشعبي حافظ على مدار سنوات طويلة على حسابات بديلة سرية منتفعا من مصادر مالية غير مشروعة.
وشكك الحكم كذلك بمصداقية زعيم الحزب راخوي الأمر الذي يهدد استمرارية الحزب ويجرد زعيمه من "السلطة الأخلاقية الضرورية للمتابعة على رأس الحكومة".
وبعد 10 سنوات من بدء التحقيق في قضية (غورتيل) أصدرت المحكمة الوطنية قرارها بالسجن لمدة 351 عاما بحق 29 من أصل 37 متهما معظمهم من القادة السابقين في الحزب على رأسهم لويس بارثيناس الامين السابق لخزانة الحزب الشعبي المقرب من راخوي الذي لم يتردد في إرسال رسالة دعم له عند توجيه الاتهام إليه.
وفرضت المحكمة غرامة مالية قدرها 5ر245 ألف يورو على الحزب لإثبات وجود ما أطلق عليه (الحسابات ب) التي شملت الكسب غير المشروع جراء استغلال الامتيازات ومنح عقود بناء مقابل رشاوى ومنح القادة رواتب إضافية سرية وغيرها من الممارسات غير القانونية المتشعبة في الحزب.
لكن المفاجأة الأكبر تجسدت في تشكيك المحكمة في مصداقية راخوي الذي أنكر لدى مثوله أمامها للادلاء بشهادته في يوليو من العام الماضي معرفته بشبكة الفساد السياسي والتمويل غير القانوني لحزبه الذي نتج عنه من بين أمور أخرى حصوله وقادة آخرين في الحزب على الرواتب غير المعلنة.
ولم يبد لذلك أهمية كبرى لدى صدور الحكم إذ لم يسفر ذلك عن نتائج ملموسة أو يتحمل أحد المسؤوليات وسط اعتياد الشعب الإسباني على انفجار هذا النوع من الفضائح بين الحين والآخر.
وكان آخر تلك الفضائح اعتقال وزير العمل السابق في حكومة المحافظ خوسيه أزنار بتهم فساد واختلاس الأموال والاحتيال وتنحي رئيسة الحكومة المحلية لمقاطعة مدريد كريستينا سيفوينتس الشهر الماضي اثر احتيالها للحصول على شهادة ماجستير من جامعة عامة وتزويرها أوراق رسمية ونشر فيديو لها وهي تسرق مستحضرات تجميل من إحدى مراكز التسوق منذ بضعة اعوام.
لكن "فرائص الحزب الحاكم ارتعدت" أمس الجمعة اثر اعلان زعيم المعارضة أمين عام الحزب الاشتراكي بيدرو سانشيز دون سابق انذار تسجيله طلب حجب الثقة عن راخوي في مجلس النواب الاسباني مرشحا نفسه لمنصب رئاسة الوزراء لتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة ومن ثم اجراء انتخابات تشريعية في أقرب وقت ممكن.
وقال سانشيز ان حكومته ستضلع بأربع مهام تتجسد في استعادة الحياة السياسية والمؤسسية الطبيعية وتجديد الحياة الديمقراطية وإطلاق أجندة اجتماعية تستجيب لضرورات المرحلة والدعوة لاجراء انتخابات تشريعية.
وناشد سانشيز جميع الأحزاب السياسية بما فيها القومية والانفصالية لدعم طلبه تحت شعار "المسؤولية" لإخراج إسبانيا من "مستنقع الفساد" متعهدا في الوقت نفسه من انه سيواصل تطبيق الدستور الاسباني وسيدافع عن السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية في إشارة إلى الأحزاب الكتالونية الانفصالية.
واعتبر ان ذلك يجب ان ينبع من المسؤولية ذاتها التي دفعت الأحزاب الكتالونية الانفصالية لتأييد اختيار رئيسة البرلمان المحافظة آنا باستور والتي دفعت (حزب الباسك القومي) لتسهيل المصادقة على الموازنة العامة لعام 2018 قبل يومين.
وينص الدستور على ان طلب سحب الثقة يجب ان يلبي شرطين أساسيين هما تقديم الاقتراح من 35 نائبا على الاقل واقتراح مرشح بديل لرئاسة الحكومة بديل وهما أمران حققهما الحزب الاشتراكي بتقديم توقيعات نواب ال84 وترشيح سانشيز لرئاسة الوزراء.
ومن المقرر ان يجتمع مكتب البرلمان يوم الاثنين المقبل لدراسة الطلب وسيكون بإمكانه تحديد موعد الجلسة بعد انقضاء خمسة أيام على طلب حجب الثقة وعليه فإن أقرب موعد ممكن له سيكون 31 مايو الجاري.
وتحظى مبادرة الاشتراكيين (84 نائبا) مبدئيا بدعم حزب (بوديموس) بنوابه ال 67 وحزب (كومبروميس) بأربعة نواب وحزب (نويبا كناريا) بنائب واحد وهي الأحزاب التي أعلنت تأييدها له بدون شرط أو قيد.
كذلك من غير المستبعد ان يحظى سانشيز بدعم (حزب الباسك القومي) بنوابه الخمسة ونواب الحزبين الكتالونيين الانفصاليين بنوابهما ال 17 نائبا إلى جانب نائبي حزب (بيلدو) الباسكي اليساري الذين أعربوا عن إمكانية التفاوض مع زعيم المعارضة ليجني بذلك 180 صوتا كفيلة بنجاح اقتراحه لاسيما انه يحتاج إلى الأغلبية الساحقة في جلسة حجب الثقة عند 176 نائبا.
من جهته أعلن حزب (ثيودادانوس) الليبرالي رابع أقوى حزب في البرلمان ب 32 نائبا انه لن يدعم حجب الثقة عن راخوي بل سيطالبه بتقديم موعد الانتخابات بشكل فوري وهو الأمر المستبعد لأن الدستور ينص على انه لا يمكن لراخوي تقديم الانتخابات طالما تم تسجيل طلب حجب الثقة ولن يتمكن من ذلك إلا بعد فشلها أو أن سحبها يتم من قبل سانشيز نفسه.
ويبقى السؤال الكبير حول ما إذا كان سانشيز قادرا على انتزاع الأغلبية الساحقة إذ ما زالت جميع الاحتمالات مفتوحة وقد يتحالف الحزب الشعبي من جديد مع رديفه (ثيودادنوس) ومع (نوبيا كناريا) و(ائتلاف كناريا) و(حزب الباسك القومي) و(فورو أستورياس) أي التشكيلات التي ساندته يوم الخميس الماضي للمصادقة على موازنة عام 2018 لتشكيل أغلبية 176 نائبا وإحباط الاقتراح.
ولم يتأخر تأثير تلك المستجدات سلبا على المؤشر الرئيس في سوق الأسهم الاسبانية (إيبكس 35) حيث هبط بنسبة 7ر1 بالمئة مستقرا عند 8ر9 ألف نقطة بعدما كان تقدم إيجابيا قبل اعلان سانشيز.
وارتفعت علاوة المخاطر الاسبانية التي تقيس الفارق بين العائد على السندات الاسبانية المستحقة في 10 سنوات مقارنة بالألمانية إلى 106 نقاط أساسية ارتفاعا من 92 يوم الخميس وهو أعلى مستوى لها في عام 2018.
وصمد راخوي مرات عديدة في وجه التقلبات السياسية بفضل جموده تحديدا لكن ذلك لم يعد كافيا بعد صدور حكم قضائي أظهر ان الفساد الهيكلي في الحزب الشعبي حقيقة مثبتة ومدمرة لا يمكن التملص منها أو مواصلة نكرانها.
ويأتي ذلك كله بعد يومين فقط من نجاح راخوي في تمرير الموازنة العامة لعام 2018 في مجلس النواب الاسباني بعد تأجيل ثلاثة أشهر بسبب حالة التوتر في (كتالونيا) التي أظهرت من جانب آخر سوء إدارة الحكومة الاسبانية للازمة الانفصالية.
وفي نهاية المطاف فإن اجراء انتخابات لإعادة الصوت للشعب الاسباني هو الخيار الأمثل لإيجاد حكومة بديلة مستقرة ومتماسكة تحظى بثقة المواطنين وتأخذ على عاتقها مهمة إنقاذ إسبانيا من الازمة السياسية الخطيرة الناتجة عن قضية (غورتيل) وتآكل النظام الديمقراطي ومن التحدي الانفصالي الذي يهدد استقرار البلاد.
وتعد تلك المحاولة الثانية لسحب الثقة من راخوي في ولايته الحالية حيث جاءت الأولى في 14 يونيو من العام الماضي باقتراح من زعيم (بوديموس) بابلو اجليسياس على خلفية قضايا الفساد ذاتها وأحبطها نسبة 76 بالمئة من النواب سواء بالامتناع عن التصويت أو بالرفض ولم يحظ حينها راخوي سوى بالدعم الصريح من (ثيودادانوس) و(ائتلاف كناريا).
وعلى مستوى تاريخ الديمقراطية الاسبانية تعد هذه المحاولة الثالثة من نوعها حيث حصلت الأولى في عام 1980 ضد أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا في إسبانيا أدولفو سواريز ثم جاءت الثانية في عام 1987 ضد الاشتراكي فيليبي غونزاليس غير ان هاتين المحاولتين لم تنجحا.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث