جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 18 يوليو 2018

تاريخ جديد

التاريخ يصنع ولا يصطنع، وواهم من يعتقد ان من لديهم القدرة على صناعة التاريخ انما يخالفون امر الله الذي قدر وماشاء فعل. فالقادة او العلماء او المكتشفون او العباقرة او الفلاسفة والمفكرون او دعاة السلام او امراء الانسانية او سواهم من المتميزين في الحياة. كل هؤلاء هم جزء من القدر الذي يختاره الخالق ولا سلطة لمخلوق ايا كان على سلطة الخالق . الا ان من العبث التصور بأن الارزاق تأتي بدون عمل وان العلم يتحقق بدون دراسة وان البيوت والمباني والعمارات والمدن والشوارع والطرق والجسور والانفاق والمطارات والجامعات والمدارس والمستشفيات والمصانع والمزارع تشيد بدون مقدرة وإرادة وتصاميم وتخطيط وقوى عاملة ومواد اولية وهكذا. من هنا انا على قناعة بأن النشاط الذي شهدته العاصمة الصينية بكين خلال الايام القليلة الماضية والذي توج بعدة امور حرص صاحب السمو امير الكويت الشيخ صباح الاحمد على ان يحضرها شخصيا خاصة في ظل مشاغله الكثيرة، جاء مصادفة ولا ان المناسبة مجرد مناسبة مثل سواها اثمرت عن توقيع جملة اتفاقيات ومعاهدات تعاون على اعلى المستويات بين الكويت والصين وتبعها اعلان بكين عن البدء ببرنامج مساعدات سنوية لعدد من الدول العربية وغير العربية التي اعتادت على ان تحصل على مثل هذه المساعدات من الولايات المتحدة،  وكذلك اعلان الجانب الفلسطيني ترحيبه بالمبادرة الصينية لانهاء النزاع في الشرق الاوسط والبديلة عن المشروع الاميركي سيئ الصيت المعروف باسم «صفقة القرن» فالمبادرة الاميركية التي يسعى الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب الى فرضها بالقوة والاجبار على العرب والمسلمين وعلى المسيحيين ايضا وعلى الفلسطينيين اصحاب القضية مبنية ومصممة على تهويد كامل فلسطين والتركيز على قطاع غزة لتحويله الى دولة فلسطينية بمطار وموانئ ومناطق حرة تظل بشكل او اخر تحت الوصاية والادارة الاسرائيلية بعدما رفضت مصر اعطاء متر واحد من سيناء لاقامة دولة فلسطينية على ارض غير فلسطينية ورفض الاردن ان يستوعب المزيد من اللاجئين الفلسطينيين من سكان القدس والضفة الغربية والمناطق والمدن العربية الواقعة ضمن مواقع احتلال 1948. واضح ان الكويت الصغية بالمساحة وعدد السكان الكبيرة بالادارة والسياسة والعمل الانساني والمساعدات الخارجية، قد اطلقت صافرة بدء حقبة تاريخية جديدة تؤسس لدور صيني كبير منتظر ومستحق بالمشاركة في البداية في ادارة امور العالم  وهو اجراء قد يؤهل بكين  لوراثة  كامل دور واشنطن في الاستئثار بالدور الفاعل والمرجح في  القرار الدولي  وهو امر يستحيل ان يحصل او يتحقق او تغامر الصين بالتلويح به بدون دعم وتنسيق مع روسيا التي باتت تقف على قدم وساق في مواجهة الخلل في السياسة الاميركية. وفي يقيني ان العرب او على الاقل الكويت التي لا تتلقى مساعدات من الولايات المتحدة ولا سواها والتي دابت منذ بداية عهد تصدير النفط على اشراك عدد غير قليل من الدول المحدودة او المعدومة الموارد، في ثروتها، تدرك هي وموسكو والاكيد ايضا لندن على الاقل حاليا، ان الدور الصيني يجب ان يختلف وان يتميز عن الدور الاميركي. الكويت مثلا لا تنكر الفضل الاميركي في تحريرها من الاحتلال وفي دعم حقوقها ومطالبها المشروعة  ولا تنكر الدور التاريخي المهم للولايات المتحدة في تغيير شكل الحياة على الارض في الطيران والابحاث العلمية والصناعات بكل انواعها وفي الاكتشافات وفي تطوير التجارة والزراعة ووسائط النقل والدراسات الاكاديمية العلمية وفي مساعدة الدول الصغيرة على الحفاظ على هوياتها الوطنية وسيادتها على اراضيها الا ان مشكلة العرب مع الولايات المتحدة تنحصر تحديدا في الخلل المعيب الذي يسببه الانحياز الاميركي الكامل لصالح اسرائيل. لذلك فإن النهوض الصيني العالي  الذي باركه العرب ليس لاعلان انفصال او فك تلاحم او عودة عن شراكات استراتيجية تاريخية مع الولايات المتحدة، وانما خلق قاعدة للتكافؤ في اطار القوى العظمى الا ان ذلك لايعني على الاطلاق انتهاء عصر الظاهرة الاميركية  المنفردة بالتصرف بامور العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي في 26 ديسمبر 1991 وحتى الان.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

اترك التعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.