جريدة الشاهد اليومية

السبت, 10 أغسطس 2019

وشوشات شتائية

تعوَّد أن يرتاد ذلك الحي العتيق، بهيكله وديكوره الأثري « المعاصر» وكأنه يطمئن عليه ويتأكد من سلامته الحضارية وصحته الروحية بعد غيابه المتقطع عن مدينة تحترف الصمت والحرب.
ثمة اشتياق شهي لملامحها الكئيبة، فضلاً عن اعتزالها إضافة الرتوش التجميلية لمحياها هذه المرة استعداداً لاستقبالها له، هي موطن حنينه وغربته المستحدثة.
ينقل خطواته بتثاقل زاهد، مكلل بكسلٍ قسري حيث الشتاء يبلل مسام روحه، واضعاً ثقله على جدران الأمكنة والمقاهي والوجوه التائهة في زحمة الوجود.
هو العاشق لملح عذوبة مزاجها، لساديتها المفرطة تجاه سكانها، وإشراق شمسها الحنونة بعطاء أمومي مفرط، وقسوتها الملعونة سطوة على نفوس تحيا بها وتحياها.
لكل منا مدينته المحببة، يتجول فيها كأنها ساحة لهوه، ملعب ذكرياته وأهوائه، هاجس قلبه وعمره، أمل مستقبله وطموح رغبته.
يعتريه شجنٌ نحوها، كونها كسيحة وجريحة منذ سنوات، تقاوم وتصمد في مواجهة الريح، معطوبة الكلمات، مكسورة الوجدان والضوء .
كيف لا يعشقها وهي من سكبت له ماء الروح فوق إحساسه، وهبته فرصة المشاعر في أحضانها، أهدته حياة في ظل جبلها العجوز.
كيف يخبئ هواء أنفاسها،ويحتفظ بصوت تنهدها عند أبواب الليل، وقرع المشاة بأحذيتهم لحجارة الأزقة المهترئة؟
ينظر إليها كأنه يلقي بظلال بصره شباكاً لصيد اللهفة، تدمع عيناه خوفاً عليها وشجناً لحالها.
يتوسد جدران أروقتها الطينية، ليشتم رائحة رطوبتها المطرية، مغمضاً عينيه وموثقاً لاختراق عبير اللحظة لخلايا ذاكرته الأرشيفية.
يستمر في جولته الأخيرة قبل الرحيل، يشعر كأنه يسترق الانسحاب ويخرج مودعاً بصمت، ليغلق باب غرفتها الخشبي ويمضي في وحشة أحزانه ليتركها ترقد بسلام.

الأخير من كنان فواز حمَّاد

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث