جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

تشبه الإنسان بمن هو أفضل منه خلقاً وخلقاً وهدياً وسمتا ضعف في شخصيته، وقصور في ذاته، فمتى كان الزرزور شيهانا، ومتى كان الثعلب أسداً؟ هذا ما لا يكون على الاطلاق، الشجاع شجاع والجبان جبان والكريم كريم والبخيل بخيل، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، قالوا في الماضي ان الغراب أراد أن يقلد مشية الحمامة، فنسي مشيته، والقصة باختصار، أن غاراباً أعجبته مشية الحمامة لما تحتويه من ملكية طبيعية وأنها أفضل مشية منه، أراد ان يقلدها وتدرب على ذلك فترة من الزمن إلا انه لم يستطع ذلك لصعوبته فأراد ان يعود الى مشيته فنسيها، فلا هو من مشيته ولا من مشية الحمامة، وقد بين الشاعر صفي الدين الحلي ذلك في قوله:
إن الزرازير لما قام قائمها
توهمت أنها صارت شواهينا
والزرازير جمع زرزور، وهو نوع من أنواع الطيور صغير الحجم لا حول له ولا قوة، من رتبة العصفوريات وصوت الزرزور يسمى زرزرة، والشواهين جمع لشاهين ولا وجه لمقارنته بالزرزور لأنه من الطيور الجوارح، جنس الصقور، وهو ذو لون رمادي، شديد الضراوة على الصيد، فأين الزرزور من الشاهين؟!
أعود الى بيت الشعر عنوان الموضوع والى صاحبه صفي الدين الحلي وأقول انه يسخر ويستهزئ بالجبان الذي يتظاهر بالشجاعة، فالشجاع مثل الشاهين، والجبان كالزرزور، وهذه الظاهرة غير الطبيعية موجودة في كل زمان ومكان وهي حقيقة نراها الا انها حقيقة كاذبة، فلا يصح الا الصحيح، ومن تظاهر بما ليس فيه كشف أمره، وبيت الشعر هذا ضمن أبيات أشهرها على الاطلاق:
بيض صنائعنا، سود وقائعنا
خضر مرابعنا، حمر مواضينا
وصفي الدين الحلي منسوب الى الحلة إحدى مدن العراق وهي الآن تتبع محافظة بابل، ويقال لها أيضا: «الحلة الفيحاء» وتلفظ بضم الحاء، وتشديد اللام، اطلق عليها هذا الاسم الإمام علي بن أبي طالب لأنها كانت جميلة، وفي العصور الاسلامية السابقة تلفظ حلة بضم الحاء، ثم كسر الحرف فيما بعد، كما كانت تسمى الحلة السيفية، نسبة لأميرها سيف الدولة صدقة بن دبيس «512 - 529هـ» أما صفي الدين الحلي فهو: أبو المحاسن، عبدالعزيز بن سرايا بن نصر الطائي السنبسي، نسبة الى سنبس «بطن من بطون قبيلة طي» ولد سنة 677هـ، ويعد من كبار شعراء عصره، جزل المعنى، رقيق الألفاظ، حسن الأسلوب، ملم إلماماً تاماً في اللغة العربية، وهو أيضا إمام من أئمة الأدب، قال في حقه الفيروز أبادي أبو طاهر مجيد الدين الشافعي محمد بن يعقوب المتوفى 817هـ: اجتمعت بالأديب صفي الدين الحلي سنة 747 هـ، في بغداد، فرأيته شيخاً كبيراً له قدرة تامة على النظم والنثر، وخبرة بعلوم العربية والشعر، فقرضه أرق من سحر النسيم... «انتهى»، اتصل صفي الدين الحلي بالملك المنصور نجم الدين غازي الأرتقي صاحب ماردين «692 - 712» ونال عنده حظوة، ولما مات الملك المنصور قربه ابنه نجم الدين صالح، ثم حج بعد ذلك وفي طريقه مر على السلطان الناصر قلاوون سلطان مصر، وكانت رحلته هذه في 726 هـ، ومدح الناصر ونال عطاياه، ويعد صفي الدين الحلي أول من نظم البديعيات، وهو أيضا أول من صنف كتاباً مختصاً بالشعر العربي العامي وهو كتاب «العاطل الحالي» ومن أشهر قصائده قوله:
سلي الرماح العوالي عن معالينا
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا؟
وسائلي العرب والأتراك ما فعلت
في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لما سعينا فما رقت عزائمنا
عما نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد
دنا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمر ماربطناها مسومة
الا لنغزوا بها من بات يغزونا
وفيها يقول وهو بيت حكمة:
إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفا
ان نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
ويقول أيضا:
لا يظهر العجز منا دون نيل منى
ولو رأينا المنايا في أمانينا
وهي 33 بيتا، وهو القائل أيضا:
كن عن همومك معرضاً
وكل الأمور الى القضا
وانعم بطول سلامة
تسليك عما قد مضى
ولرب أمر مسخط
لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء
فلا تكن متعرضاً
توفي صفي الدين الحلي في بغداد سنة 752هـ، أما الأمير صدقة بن دبيس الذي ورد ذكره آنفا فهو ابو الأغر دبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي حاكم الحلة المزيدية وأمير بادية العراق، من أمراء بني مزيد الأسديين، ذكره ابن خلكان وقال عنه: كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر، تمكن في خلافة المسترشد بالله العباسي الفضل بن احمد المستظهر بالله «512 - 529» واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير شجاع بطل، قتله غلام أرمني بأمر السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي في بلاد أذربيجان سنة 529هـ.
دمتم سالمين. وفي أمان الله.

الشعر ديوان العرب ولسان حالها، وكان للشاعر مكانة مرموقة، أما اليوم فالشعراء أكثر من المستمعين، اختلط الحابل بالنابل، والغث بالسمين، فتراجعت مكانة الشعر مثل تراجع أبناء يعرب بلغة الضاد، ولو عدنا إلى زمن رواج الشعر العربي في العصور الماضية لوجدنا الكثير من أبيات الشعر الصالحة لكل زمان ومكان، أبيات لا تنسى، مثل الذهب الخالص كلما مر عليه الزمن زاد بريقه ولمعانه، خاصة أبيات الحكمة والعظة والعبرة، ومن الأبيات التي لا تموت أبداً قول أبي العتاهية إسماعيل بن القاسم:
خانك الطرف الطموح
أيها القلب الجموح!
عندما تتأمل هذا البيت تعرف أن العين طموحة، وأن القلب جموح، كيف يطمح الطرف ويجمح القلب؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف أن النفس شريكة للطرف والقلب، فهي أمارة بالسوء، أما خيانة الطرف فهي تطلع العين إلى ما لا يكون، وهو الأمل الكاذب، يساعدها على ذلك القلب «الجموح» هذا المخلوق الضعيف، كلاهما يتسببان بالمعصية، فلا تجعلهما عدوين لك، يتطلعان ويستشرفان المستحيل،روي أن الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد «170 - 193هـ» كان يحب غناء الملاحين، إلا أنه لا يعجبه لحنهم ولا الأشعار التي يتغنون بها، في الزلالات «السفن» فسأل ابن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر وجماعة من أصحابه أن يبدوا رأيهم بهذا الأمر، وأن يعمل أحدهم شعرا رائقا يردده هؤلاء الملاحون، حتى يحفظوه ويتغنون به، فقال له وزيره الفضل بن الربيع بن يونس: يا أمير المؤمنين، ليس أقدر ولا أحذق على هذا الأمر من أبي العتاهية! وهو في حبسك، وكان الرشيد قد حبسه لأنه امتنع عن قول الشعر، وقال له: لا أطلقك حتى تقول الشعر، وترجع إلى ما كنت عليه، يقول أبو العتاهية في هذه القصة أيضاً: بعث إلي هارون الرشيد وأنا في محبسي يأمرني أن أقول شعرا يصلح لغناء الملاحين ولم يأمر بإطلاق سراحي فغاظني ذلك وقلت: والله لأقولن شعرا يحزنه ويبكيه وكان الرشيد غزير الدمعة فقلت:
خانك الطرفُ الطّموحُ    
أيها القلب الجموح
لدواعي الخير والشر   
دنوٌّ ونزوح
هل لمطلوبٍ بذنبٍ    
توبةٌ منه نصوح؟
كيف إصلاحُ قلوب    
إنّما هنَّ قروح؟
أحسن الله بنا     
أن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا     
بين ثوبيه فضوح
كم رأينا من عزيز     
طويت عنه الكشوح
صاح منه برحيل    
صائح الدهر الصدوح
موت بعض الناس في الأرض     
على قوم فتوح!
سيصير المرء يوماً     
جسداً ما فيه روح
بين عيني كل حيّ       
علم الموت يلوح
كلنا في غفلةٍ
والموت يغدو ويروح
لبني الدنيا من الدنيا
غبوقٌ وصبوح
رحن في الوشي
وأصبحن عليهنَّ المسوح
كل نطاح من الدهر
له يوم نطوح
نُح على نفسك يا مسكين
إن كنت تنوح
لتموتن وإن عمرت
ما عمر نوح
فلما سمع هارون الرشيد الأبيات بكى وانتحب، وكلما قال الملاحون بيتا زاد بكاؤه ونحيبه، وقد ذكرت لكم أن الرشيد من أغزر الناس دموعا عند الموعظة، فلما رأى وزيره الفضل بن الربيع كثرة بكائه، أومأ إلى الفلاحين أن يسكتوا، أما أبو العتاهية فهو: اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء العيني نسبة إلى عين التمر التي ولد بها، ولد قبل قيام الدولة العباسية بسنتين عام 130 هـ، انتقل إلى الكوفة، وامتهن بيع الجرار، ثم مال إلى العلم والأدب ونظم الشعر حتى نبغ فيه، ثم ذهب إلى بغداد واتصل بالخلفاء «محمد المهدي - موسى الهادي - هارون الرشيد - محمد الأمين - عبدالله المأمون» وذاع صيته وبلغت شهرته الأفاق، عرف بسرعة الخاطر والابداع والشعر السائر، ولو تأملت أحد أبيات قصيدته السابقة ووضعت إصبعك على قوله:
موت بعض الناس في الأرض
على قوم فتوح
لوجدت أن المتنبي رغم تقدمه في الشعر أخذ هذا المعنى من أبي العتاهية وصاغه بيتا وهو قوله:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها
مصائب قوم عند قوم فوائد
أما لقبه أبو العتاهية، فقد أطلقه عليه الخليفة العباسي الثالث عندما رآه حيث قال: هذا معته فاستوت له الكنية، عرف في المجون ثم مال إلى الزهد والتنسك، وانصرف عن ملذات الدنيا والحياة، كان سلم الخاسر يقول: أشعر الإنس والجن أبو العتاهية رغم أن سلما من كبار شعراء الدولة العباسية، وأنشد قول أبي العتاهية:
سكن يبقى له سكن
ما بهذا يؤذن الزمن
نحن في دارٍ يخبرنا
ببلاها ناطق لسن
دار سوءٍ لم يدم فرح
لامرئ فيها ولا حزن
في سبيل الله أنفسنا
كلنا بالموت مرتهن
كل نفسٍ عند ميتتها
حظها من مالها الكفن
إن مال المرء ليس له
منه إلا ذكره الحسن
وهو أيضا صاحب البيت المشهور:
ولله في كل تحريكة
وتسكينة للورى شاهد
توفي اسماعيل بن القاسم سنة 213هـ على وجه التقريب، أكتفي بهذا القدر. دمتم سالمين، وفي أمان الله.

ليس هذا البيت عتاب محب لحبيبه وإن كان يوحي بذلك وإنما هو معاتبة شاعر كبير لأمير مشهور، المتنبي يعاتب الأمير سيف الدولة عتاب المحب، يصفه بأنه عادل مع الجميع، منصف إلا معه!! لماذا؟ لأن الخصام بينهما هو طرف فيه وبذلك يكون الأمير سيف الدولة الخصم والحكم معا ومن ثم سيكون الحكم لصالح سيف الدولة لا المتنبي، هذا البيت ضمن أبيات قالها أبوالطيب المتنبي لسيف الدولة، وهي من القصائد الرنانة، بها من الأمثال الكثير مثل قوله:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وقوله وهو بيت مشهور للغاية:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
وفيها أيضا وهو ابداع:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظن أن الليث يبتسم
وقوله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ومن الأمثال في هذه الأبيات:
شر البلاد مكان لا صديق به
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وقد بدأ المتنبي قصيدته بقوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم
وهو في هذا البيت يشكو من النار التي اججت قلبه وشتان بين من قلبه بارد وبين من قلبه يعاني لهيب النار وهو يندب حظه لأنه يحب الأمير سيف الدولة بينما الأمير يقسو عليه ولا يشعر بمعاناته حتى أن حبه للأمير أصابه بالسقم والضعف والهزل فما سبب عتاب المتنبي لسيف الدولة؟ دعونا نتعرف على كل شخصية على حدة، سيف الدولة من اشهر امراء الاسلام في القرن الرابع الهجري وهو الأمير علي بن أبي الهيجاء عبدالله بن حمدان التغلبي، مؤسس امارة حلب التي كانت تشكل معظم شمال سوريا والمناطق الغربية من الجزيرة، وقد ولد سنة 303 هـ في خلافة المقتدر بالله أبوالفضل العباسي، وكان اشهر امراء الدولة الحمدانية وأكثرهم غزوا للروم وتعتبر حلب في عهده مركزا للثقافة والحيوية، جمع حوله الشعراء والأدباء ومنهم أبوالطيب المتنبي الذي ساعد كثيرا في شهرته حتى يومنا هذا ويعد سيف الدولة من الشعراء الأدباء ولم يجتمع بباب ملك أو خليفة ما اجتمع له من شيوخ الشعر ونجوم الدهر.
ولسيف الدولة في وصف قوس قزح وقد أبدع فيه كل الابداع:
وساق صبيح للصبوح دعوته
فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم
فمن بين منقض علينا ومنفض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا
على الجو دكنا والحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأصفر
على أحمر في أخضر تحت مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل
مصبغة والبعض اقصر من بعض
وهذه من التشبيهات الملوكية البديعة واخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء خصوصا مع المتنبي والسري الرفاء والببغاء والوأوا، وأمثالهم، وقد توفي يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة للهجرة في حلب ونقل الى ميافارقين ودفن في تربة أمه داخل البلاد، يذكر أنه جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته حتى عمل منه «لبنة» بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده ونفذت وصيته رحمه الله، أما قصة ابيات المتنبي التي ذكرتها في البداية فهي أن المتنبي كانت له مكانة خاصة عند سيف الدولة، لا يقدم عليه أحدا من الشعراء، فحسده الشعراء، ووشوا به عند سيف الدولة، حتى أفسدوا ما بينهما، فأخذ يعاتب صديقه وأميره بهذه الأبيات التي ذكرت لكم غررها وكلها غرر.
أما المتنبي فهو نادرة زمانه، واعجوبة عصره، أحد مفاخر الشعر العربي والأدب، شاعر حكيم قلما بجود بمثله الزمان، من أعظم شعراء العربية وأكثرهم الماما باللغة، واعلمهم بقواعدها ومفرداتها واسمه احمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمد الجعفي، أبوالطيب الكندي الكوفي المولد «303 - 354هـ» وهو بعد صاحب كبرياء وعزة نفس وشجاعة وطموح، محب للمغامرة معتزا بعروبته، مبدعا للغاية ومن اشهر قصائده أبياته التي هجا بها كافور الأسود الأخشيدي حاكم مصر، وكان قد زاره بمصر ووعده بولاية ثم تراجع عن ذلك ولام أصحاب كافور كافورا فقال لهم: يا قوم، من ادعى النبوة الا يدعي الملك مع كافور العبد!! فحسبكم فلما يئس المتنبي منه قرر الهروب من مصر ليلة عيد الفطر وهجا كافوراً هجاء مقذعا، ولم يعلم بالقصيدة الا بعد ان تعدى حدود مصر، فحاولوا اللحاق به الا انهم لم يدركوه وسميت هذه القصيدة المذهبة، يقول فيها:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم بأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيدا دونها بيد
ومنها وهو الأشد:
أكلما أغتال عبدالسوء سيده
أوخانه فله في مصر تمهيد
صار الخصي إمام الآبقين بها
فالحر مستعبد والعبدمملوك!!
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيد
العبد ليس لحر صالح بأخ
لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لانجاس مناكيد
ويقول أيضا:
من علم الأسود المخصي مكرمة
أقومه البيض أم آباءه الصيد
أم أذنه في يد النخاس دامية
أم قدره وهو بالفلسين مردود
وواضح أن المتنبي واضع يده على كفنه، لذلك كانت نهايته القتل على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي، وقتل معه ابنه محسد وغلامه أفلح، فكانت نهايته مأساوية رحمه الله.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

اذا تعلق قلب رجل بفتاة أحبها حباً شديدا، حتى انه ينشغل بها عن سواها، وهي طفلة عربية، تنعم في الديباج والحلي والحلل، اما الكلمة الأولى في هذا البيت «طفلة» فكثير من الناس يلفظها بكسر الطاء وهذا خطأ شائع، والصواب فتح حرف الطاء، لأنك اذا كسرت الطاء قلبت المعنى رأساً على عقب وجعلتها فتاة صغيرة دون البلوغ، اما الطفلة بفتح الطاء فهي المرأة الرقيقة الناعمة وهذا ما عناه الشاعر بالضبط، وذكر انها تنعم بالحلي وهي الجواهر الثمينة مرتدية الثياب الفاخرة المصنوعة من الحرير، هذا البيت من الأبيات الجميلة الدارجة، نال حظاً وفيراً من الشهرة، وغناه عدد من المطربين والمطربات، ثم ان عبارات هذا البيت سلسة سهلة، ذكر كثيرمن المؤرخين والمهتمين بالأدب والشعر ان صاحب هذا البيت هو الملك الضليل امرؤ القيس بن حجر الكندي المتوفى في مدينة «أنقرة» سنة  565 هـ ولا أخفيكم سرا ان في النفس حاجة حول صحة نسبته لأمرو القيس، واشك في ذلك، ربما سأل البعض عن سبب ذلك، لهؤلاء اقول ان في هذه القصيدة أبياتاً لا توحي بالعصر الجاهلي منها قوله:
لها مقلة لو انها نظرت بها
إلى راهب قد صام لله وابتهل
ثم يقول بعد ذلك:
لأصبح مفتونا معنى بحبها
كأن لم يصم لله يوما ولم يصل
تأملوا هذين البيتين!! ما شأن اهل الجاهلية بالصلاة والصيام والرهبان؟ هم عبدة أوثان جعلوا من الأوثان وسيلة الى الله تعالى، ثم ان امرؤ القيس نفسه لم يذكر احد انه كان موحداً مثل القس بن ساعدة الأيادي او ورقة بن نوفل، ما ذكرته لكم أقول ان النفس لا تطمئن لصحة هذه النسبة، هناك رواية تقول ان صاحب الأبيات: قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى المتوفى سنة 68 هـ، اما أبيات القصيدة الاولى فأجزم انها لامرؤ القيس، لانها من نهجه وهي التي يقول فيها:
لِمَن طَلَلٌ بَينَ الجُدَيَّةِ والجبَل
مَحَلٌ قَدِيمُ العَهدِ طَالَت بِهِ الطِّيَل
عَفَا غَيرَ مُرتَادٍ ومَرَّ كَسَرحَب
ومُنخَفَضٍ طام تَنَكَّرَ واضمَحَل
وزَالَت صُرُوفُ الدَهرِ عَنهُ فَأَصبَحَت
عَلى غَيرِ سُكَّانٍ ومَن سَكَنَ ارتَحَل
تَنَطَّحَ بِالأَطلالِ مِنه مُجَلجِلٌ
أَحَمُّ إِذَا احمَومَت سحَائِبُهُ انسَجَل
بِرِيحٍ وبَرقٍ لَاحَ بَينَ سَحَائِبٍ
ورَعدٍ إِذَا ما هَبَّ هَاتِفهُ هَطَل
ثم تأتي الأبيات على الطفلة الناعمة الرقيقة فيقول في وصفها:
تَعَلَّقَ قَلبي طَفلَةً عَرَبِيَّةً
تَنَعمُ في الدِّيبَاجِ والحَلي والحُلَل
لَهَا مُقلَةٌ لَو أَنَّهَا نَظَرَت بِهَ
إِلى رَاهِبٍ قَد صَامَ لِلّهِ وابتَهَل
لَأَصبَحَ مَفتُوناً مُعَنَّى بِحُبِّهَ
كأَن لَم يَصُم لِلّهِ يَوماً ولَم يُصَل
أَلا رُبَّ يَومٍ قَد لَهَوتُ بِذلِّهَ
إِذَا مَا أَبُوهَا لَيلَةً غَابَ أَو غَفَل
فَقَالَتِ لِأَترَابٍ لَهَا قَد رَمَيتُهُ
فَكَيفَ بِهِ إن مَاتَ أَو كَيفَ يُحتَبَل
أَيخفَى لَنَا إِن كانَ في اللَّيلِ دفنُهُ
فَقُلنَ وهَل يَخفَى الهِلَالُ إِذَا أَفَل
قَتَلتِ الفَتَى الكِندِيَّ والشَّاعِرَ الذي
تَدَانَت لهُ الأَشعَارُ طُراً فَيَا لَعَل
لِمَه تَقتُلى المَشهُورَ والفَارِسَ الذي
يُفَلِّقُ هَامَاتِ الرِّجَالِ بِلَا وَجَل
أَلَا يا بَنِي كِندَةَ اقتُلوا بِابنِ عَمِّكم
وإِلّا فَمَا أَنتُم قَبيلٌ ولَا خَوَل
قَتِيلٌ بِوَادِي الحُبِّ مِن غيرِ قَاتِلٍ
ولَا مَيِّتٍ يُعزَى هُنَاكَ ولَا زُمَل
فَتِلكَ الَّتي هَامَ الفُؤَادُ بحُبِّهَ
مُهفهَفَةٌ بَيضَاءُ دُرِّيَّة القُبَل
وان كانت الابيات لامرؤ القيس فهو اشهر الشعراء العرب على الاطلاق، وعرف بذي القروح والملك الضليل كما انه أحد اصحاب المعلقات وهو صاحب المقولة الشهيرة: «اليوم خمر وغداً أمر»، لأصح اليوم ولأسكر غداً، طردتني صغيراً وحملتني دمك كبيراً، وهو يعني ابوه الملك حجر بن الحارث الكندي، الذي قتلته بني اسد، وفي ذلك يقول:
أرقت لبرقٍ بلـيلٍ أهـل
يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديثٌ فكـذبـتـه
بأمر تزعزع منه القلـل
بقتل بني أسـدٍ ربـهـم
ألا كل شيءٍ سواه جلـل
فأين ربيعة عن ربـهـا
وأين تميمٌ وأين الخـول
ألا يحضرون لدي بـابـه
كما يحضرون إذا ما استهل
قال ابن السكيت: «لما طعن الأسدي حجراً ولم يجهز عليه، اوصى ودفع كتابه الى رجل وقال له: انطلق الى ابني- وكان ابر ولده وأكبرهم- فإن بكى وجزع اتركه واذهب الى ابنائي واحداً واحداً حتى تأتي امرؤ القيس «جندح» وكان اصغرهم- فأيهم لم يجزع ادفع اليه الوصية وسلاحي وخيلي، وقد بين في الوصية من قتله، فكل ابنائه جزع وبكى الا أمرؤ القيس «فكان صاحب الوصية، وسار الى بني اسد،وأوقع بهم وقعات كثيرة الا انه عجز عن الاخذ بثأر أبيه وقصته معروفة وفيها طول، وكانت نهايته من حلة مسمومة اهداها له قيصر الروم، وقد ذكرت كثيراً وهأنا ذا أعيد، أن لا صحة للحديث المنسوب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه انه حامل لواء الشعراء الى النار، وقد ضعفه جداً الالباني رحمه الله.
انتهى حديثي.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

الإثنين, 22 مايو 2017

إن اللبيب بالإشارة يفهم

اللبيب، هو صاحب العقل والرأي والتدبر، وقد أخذت كلمة لبيب من اللب، ولبيب اسم مفرد جمعه «ألباء» بشد الباء وإذا قلنا: لب الرجل، فالمعنى صار ذا عقل وادراك وتمييز وغالبا ما يكون اللبيب سريع الاجابة على البديهة، حاضر الذهن، وقد ورد في القرآن الكريم ذكر أولوا الالباب كثيرا، ومنها قول المولى عز وجل: «وما يذكر الا اولوا الالباب» 269 - البقرة وقوله ايضا: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولى الالباب» بات واضحا ان أولي الالباب هم أهل العقول الراجحة ولاشك ان اللبيب بالاشارة يفهم، لانه عاقل كيس فطن، أريب، ألمعي، ذكي، رشيد، بصير، سرير، الضد من اللبيب: الأحمق، الأبله، الاخرق، الأرعن.. يقول أبوالطيب المتنبي:
إني لأعلم واللبيب خبير
أن الحياة وإن حرصت غرور
وصف المتنبي اللبيب بالخبرة، والعقل من اللب، لذا سمعنا كثيرا مثل إن اللبيب بالاشارة يفهم، روي ان رجلا أتى رجلا في حاجة له فقال: أتيتك في حويجة!! فرد عليه: أقصد لها رويجل، ورأى رجل صديقا له يسوق حمارا من بعيد، فقال: لولا حمارك ما عرفتك!! فرد قائلا: الحمير تعرف بعضها بعضا!! وقال رجل للمتنبي: رأيتك من بعيد فظننتك امرأة! فرد المتنبي على البديهة: وأنا رأيتك من بعيد وظننتك رجلا!! يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي رحمه الله تعالى:
حواجبنا تقضي الحوائج بيننا
فنحن سكوت والهوى يتكلم
اشاراتنا في الحب رمز عيوننا
وكل لبيب بالاشارة يفهم
وقد بدأ الرصافي هذه القصيدة الجميلة بقوله:
يترجم طرفي عن لساني لتعلموا
ويبدي لكم ما كان طرفي يكتم
والرصافي من كبار شعراء عصره، واسمه: معروف بن عبدالغني بن محمود الجباري «1875 - 1945م» ولد ونشأ في بغداد وشعره في غاية الجودة وله آثار كبيرة في النثر والشعر واللغة والأدب وله: «ديوان الرصافي» أما تسميته بالرصافي فقد ذكر الاستاذ ابراهيم مضواح الألمعي في كتابه «عندما كان الكبار تلامذة» ان الشاعر معروف الرصافي حصل على لقب الرصافي من استاذه: محمود شكري الألوسي، وسبب التسمية أنه ألف كتاب «بلوغ الأرب في معركة العرب» وعهد الى معروف بتصحيح الكتاب فكان يذهب كل يوم الطبعة ليصحح المسودات، وبعد ان تم الطبع، كتب معروف عدة في مقدمة الكتاب، ووقعها باسمه «معروف» فلما نظر اليها استاذه محمود شكري أعجب بها وقال: اكتب اسمك الرصافي لأنك معروف الرصافة، مثلما كان الكرخي معروف الكرخ، فلم يقبل معروف، فكتب الاستاذ محمود شكري اللقب بيده، وصار يناديه بالرصافي، ويذيع ذلك وينشره حتى اصبح معروفا به، ومن جميل اشعار الرصافي وصفه لعظمة المولى عز وجل حيث يقول:
انظر لتلك الشجرة
ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبة
وكيف صارت شجرة!!
ابحث وقل من ذا الذي
يخرج منها الثمرة؟
وانظر الى الشمس التي
جذوتها مستعرة
فيها ضياء وبها
حرارة منتشرة
من ذا الذي اوجدها
في الجو مثل الشررة
ذاك هو الله الذي
انعمه منهمرة
وانظر الى الغيم فمن
انزل منه مطره
فصير الأرض به
بعد اغبرار خضره
وانظر الى المرء وقل
من شق فيه بصره
من ذا الذي جهزه
بقوة مفتكره
ومن قصائده أيضا قوله:
برزت تميس كخطوة النشوان
هيفاء مخجلة غصون البان
ومشت فخف بها الصبا فتمايلت
مرحا فأجهد خصرها الردفان
جال الوشاح على معاكفها التي
قعدت وقام بصدرها النهدان
تستبعد الحر الأبي بمقلة
حبا أذبت نباره لواني
واذا بدت تهفو القلوب صبابة
فيها وتركع دونها العينان
اخذ الدلال مواثقا من عينها
أن لا تزال مريضة الأجفان
وله أيضا:
سر في حياتك سير نابه
ولم الزمان ولا تحابه
وإذا حللت بموطن
فاجعل محلك في هضابه
واختر لنفسك منزلا
تهفو النجوم إلى قبابه
فالمجد ليس يناله
إلا المغامر في طلابه
وإذا يخاطبك اللئيم
فصم سمعك عن خطابه
وإذا انبرى لك شاتما
فاربأ بنفسك عن جوابه
فالروض ليس يضيره
ما قد يطنطن من ذبابه
وإذا ظفرت بذي الوفاء
فحط رحلك في رحابه
فأخوك من إن غاب عنك
رعى ودادك في غيابه
والرصافة المنسوب لها معروف الرصافي بناها الخليفة العباسي الثاني ابوجعفر عبدالله المنصور سنة 151 هـ - 768م في الضفة الشرقية لنهر دجلة قبالة المدينة المدورة، وهي ثاني مدينة بناها المنصور بعد بغداد وبها مقبرة الخيزران التي دفن بها معروف الرصافي ورصافة في اللغة اسم وهي مصدر رصف بضم الصاد، والجمع منها: رصائف وتعرف بالعقبة تشد على مدخل سخ النصل، وتعني أيضا: كل منبت بالسواد، والرصاف: الحجارة المرصوفة وفي الرصافة يقول علي بن الجهم السامي:
عيون الهوى بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وهناك أيضا رصافة الخليفة الأموي العاشر هشام بن عبدالملك بن مروان وموقعها الآن شمال بادية الشام «سوريا» جنوب غرب الرقة ببعد نحو خمسين كيلو مترا، وقصر هشام لا يزال قائما فيها إلى يومنا هذا، هناك أيضا رصافة ثالثة بناها صقر قريش عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك، في الأندلس يتذكر بها رصافة جدة هشام بن عبدالملك، وموقعها ضاحية قرطبة وجعلها مقرا صيفيا له لارتفاعها عن قرطبة.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

هذا البيت الحزين يحكي قصة حزينة للغاية، وهي أقرب ما تكون من قول المولى عز وجل: «ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت ان الله عليم خبير»  34 - لقمان، نحن الآن امام صورة من صور الحياة، كاتب شاعر من أهل بغداد يشكو قلة ذات اليد، انه الفقر يا سادة اعدى الاعداء وادوى الأدواء، ولله در عمر بن الخطاب حينما قال: «لو كان الفقر رجلا لقتلته» ترى ما الذي يستطيع فعله هذا الكاتب؟ فكر كثيرا الا انه لم يجد بدا من السفر، لابد ان يغادر بغداد حاضرة الاسلام التي ولد وترعرع بها، حزم متاعه وشد رحاله وقرر السفر الى الاندلس فيالها من مسافة شاسعة، ورحلة محفوفة بالاخطار، ومع ذلك فهو يأمل أن يرزقه الله تعالى هناك في تلك الديار البعيدة، لعل وعسى أن يعود من الأندلس وقد ودع الفقر، ها هي زوجته شديدة الحب له المشفقة عليه تتعلق به تبكي لفراقه، تتوسل اليه ان يعدل عن هذه الرحلة التي ستفرق بينهما، هو أيضا يبكي لانه يحبها محبة شديدة الا انه عقد العزم على السفر وقضي الامر لن يثنيه عن ذلك توسل زوجته ودموعها فالمرء يريد ان يحصل على ما يتمنى والله تعالى ماض في امره ولله در الامام الشافعي حين قال:
يريد المرء أن يعطى مناه
ويأبى الله إلا ما يريد
ولاشك ان العبد مسير لا مخير، صور لنا هذا الشاعر حاله وحال زوجته المغلوب على أمرها تصويرا بديعا وكأننا نراهما عيانا بيانا حيث يقول:
لا تعذليه فإن اللوم يولعه
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
ما تقولينه هو الصواب ولكنه لن يتراجع ان لومك وعتابك يجعله اكثر تعلقا بك ولكن لا سبيل الى ذلك، سافر هذا الرجل، فماذا حدث؟ كانت منيته له بالمرصاد، هناك بعيدا عن وطنه وزوجته في بلاد الغربة، فيالها من رحلة مشؤومة!! ظن هذا المسكين انه سيعود لها محملا بالهدايا وبدر الدراهم والدنانير، الا ان وداعه لها كان اخر العهد به ولا يعلم الغيب الا الله تعالى، صاحب هذا البيت والنهاية المؤلمة هو أبوالحسن، علي بن زريق رحمه الله تعالى، توجه من بغداد الى الاندلس وقصد هناك الامير ابا الخير عبدالرحمن الاندلسي، وحل ضيفا عليه ثم مدحه بقصيدة بليغة وانتظر ان يعطيه عطاء جزلا خاصة وان ابن زريق اختار هذا الامير على غيره من الامراء لصلة قرابته به،فكانت الصدمة ان عطاء هذا الامير كان يسيرا للغاية لا يساوي رحلته الشاقة من بغداد الى الاندلس، فلام نفسه لوما شديدا، وتذكر زوجته التي حاولت جاهدة ثنيه عن هذه الرحلة فبكى بكاء مرا وقال لنفسه كما تذكر الروايات: سلكت القفار وقطعت البحار نحو هذا الامير فكان هذا عطاءه، ثم كتب ابيات من اجمل الابيات ووضعها في جيبه ومات المسكين مكانه من شدة التألم والهم والغم، ثم سأل عنه الامير وكان يريد اختباره فأخبروه انه توفي، فعض انامله ندما وأسفا وبكى لتفريطه بابن زريق ثم اخرجوا الابيات التي قالها ابن زريق قبل وفاته، فقرأها وزاد ندما على ندم وقال: وددت لو ان هذا الرجل حيا واشاطره ملكي ووفاء لهذا الشاعر الذي مات غريبا بعث الامير لاهله في بغداد 5000 دينار، هذه الحادثة ارخت سنة 420 هـ دون ذكر شيء عن هذا الامير الاندلسي، ولا المدينة التي كان اميرا عليها واليكم الأبيات وهي من البسيط:
لا تعذليه فإن العدل يولعه
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في نصحه حدا أضر به
من حيث قدرت أن النصح ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا
من عذله فهو مضني القلب موجعه
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله
فضيقت بخطوب الدهر أضلعه
يكفيه من لوعة التشتيت أن له
من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر الا وازعجه
رأي الى سفر بالعزم يزمعه
كأنما هو في حال ومرتحل
موكل بقضاء الله يذرعه
اذا الزمان أراه في الرحيل غنى
ولو إلى السند اضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع الا ان تجشمه
للرزق كدا وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الانسان توصله
رزقا ولا دعة الانسان تقطعه
قد وزع الله بين الخلق رزقهم
لم يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم كلفوا حرصا فلست ترى
مسترزقا وسوى الغايات تقنعه
والحرص في الرزق والارزاق قد قسمت
بغي ولا شك بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه
ارثا ويمنعه من حيث يطمعه
استودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الازرار مطلعه
ودعته وبودي لو ودعني
صفو الحياة واني لم اودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وادمعي مستهلات وادمعه
لا اكذب الله ثوب الصبر منخرق
عني بفرقته لكن ارقعه
اني اوسع عذري في جنايته
بالبين عنه وجرمي لا يوسعه
رزقت ملكا فلم أحسن سياسته
وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
شكر عليه فإن الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته
كأسا اجرع منها من اجرعه
كم قائل لي ذقت البين قلت له
الذنب والله ذنبي لست ادفعه
الا اقمت فكان الرشد اجمعه
لو أنني يوم بان الرشد اتبعه
اني لأقطع أيامي وانفقها
بحسرة منه في قلبي تقطعه
وهذه القصيدة 38 بيتا لا مجال لذكرها كاملة.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

هذا ما يقال له وصف يفوق الوصف، فبيت الشعر هذا فيه من الرقة والعذوبة الشيء الكثير، تأمل البيت سلمك الله، لقد شبه دموع محبوبته باللؤلؤ المتساقط من عيونها كورد النرجس، وذكر ان شفتيها كالعناب ذاك الشجر الذي يخرج ثمراً شديد الاحمرار لذيذ الطعم، أما أسنانها فهي كالبرد الذي يسقط مع الأمطار، هو يصف جمالا لا يجارى ولا يبارى، فمن هو هذا الشاعر الفصيح العبارة؟ إنه الخليفة الأموي الثاني: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان «صخر» بن حرب بن أمية بن عبدشمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الأموي القرشي «60 - 64 هـ» المولود في دمشق عام 26هـ، وهو أشعر بني أمية، وربما تعجب البعض من فصاحة الخلفاء وابتعادهم عن اللحن في اللغة، وهذا واضح في خطبهم وقصائدهم ورسائلهم ومحاوراتهم، ويرجع السبب الى انهم تربوا في صغرهم بالبادية، بين القبائل العربية، حيث اللغة العربية الصحيحة، فكان الخلفاء والأمراء يبعثون أبناءهم الى القبائل لإجادة اللغة وتعلم الأخلاق العربية والشعر والأدب، وقد تربى يزيد بن معاوية في بادية أخواله بني كلب، فأمه: ميسون بنت بحدل الكلبية، أبوها بحدل بن أنيف، سيد كلب خال يزيد، وهي أيضاً من شاعرات العرب، تزوجها معاوية ثم طلقها، فأخذت ابنها يزيداً معها، وكان سبب تطليق معاوية لها، انها اشتاقت الى الصحراء التي تعودت عليها، وأرضها وبيئتها، رغم انها تسكن قصر معاوية في دمشق وتلبس أفخر الثياب، وتزين بأغلى الحلي والجواهر، رغم كل هذا حنت الى أترابها وباديتها، فبكت وقالت:
لبيت تخفق الأرواح فيه
أحب إلي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني
أحب إلي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة من كسر بيتي
أحب إلي من أكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فج
أحب إلي من نقر الدفوف
وكلب يتبع الطراق دوني
أحب إلي من قط أليف
وبكر يتبع الأظعان صعب
أحب الي من بعل زفوف
وخرق من بني عمي نحيف
أحب إلي من علج عنوف
خشونة عيشتي في البدو أشهى
الى نفسي من العيش الطريف
فأخبرت إحدى الوصائف معاوية بما قالت، فغضب وقال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني «علجاً عنوفاً» فطلقها ثلاثا، ثم سيرها الى أهلها في نجد، وكانت ميسون قد رأت في منامها وهي حامل بيزيد، كأن قمراً خرج منها، فقصت رؤياها لأمها، فقالت لها: لئن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له بالخلافة، وكانت وفاتها سنة 80هـ في خلافة عبدالملك بن مروان، والواضح ان يزيد ورث الشعر عن أمه، وان كان أبوه معاوية شاعراً الا انه كان مقلاً، سمي يزيد على اسم عمه يزيد بن أبي سفيان أحد أمراء جيوش فتح الشام الذي توفي في طاعون عمواس سنة 18هـ في دمشق، تولى يزيد بن معاوية الخلافة بعد وفاة أبيه عام 60 هـ، وصف بأنه كان طويلاً جسيماً أسمر جعد الشعر، شديد سواد العين وبياضها، في وجهه أثر الجدري، ذا لحية خفيفة حسنة، شاعراً فصيحاً، خطيبا يرتجل الخطب، كريما شجاعاً، وكان قائد أول جيش غزا القسطنطينية في خلافة أبيه، وكان الحاكم البيزنطي قسطنطين الرابع، عام 49هـ، ومن كرمه اللامحدود، ان عبدالله بن جعفر، وكان صديقاً لأبيه معاوية، زاره، فسأله يزيد: كم كان يعطيك أبي كل عام؟ فقال: ألف الف درهم، قال: قد ضاعفناها لك أبا جعفر!! فقال عبدالله: بأبي أنت وأمي، فقال: ولهذه زدنا لك الضعف ضعفاً!! فخرج عبدالله بن جعفر بثلاثة آلاف ألف درهم، ولم يعط أحد من الخلفاء هذا المبلغ لا قبله ولا بعده.
ورأى عبدالله وهو خارج من عند يزيد 400 بختية «جمالا» عليها أنواع  الهدايا والأموال، فعاد الى يزيد وسأله ثلاثاً منها، فصرفها له يزيد كلها، أما الأمور السياسية التي وقعت في خلافته فلست معنياً بها، فأنا طالب أدب ولا شأن لي بالسياسة، وعندما جاءه خبر وفاة أبيه قال:
جاء البريد بقرطاس يخب به
فأوجس القلب من قرطاسه فزعاً
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم
قالوا: الخليفة أمسى مثبتاً وجعاً
مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا
كأن ما عز من بنيانها انقلعا
ثم انبعثنا الى خوص مضمرة
نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعاً
فما نبالي إذا بلغن أرجلنا
ما مات منهن بالمرمات أو طلعا
من لم تزل نفسه توفي على شرف
توشك مقادير تلك النفس ان تقعا
لما وردت وباب القصر منطبق
وصوت رملة هد القلب فانصدعا
ثم أرعوى القلب شيئاً بعد طيرته
والنفس تعلم ان قد اثبتت جزعاً
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه
كانا جميعا خليطا سالمين معا
أغر أبلج يستسقى الغمام به
لو قارع الناس عن أحلامهم قرعاً
لا يرقع الناس ما أوهى وان جهدوا
ان يرقعوه ولا يوهون ما رقعا
وقد أخذ يزيد بن معاوية في بيته الأخير قول أبو طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم»
أغر أبلج يستسقى الغمام به
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
والأغر السيد الشريف كريم الأفعال جميلها الواضح، والأبلج الواضح المضيء طلق الوجه، أما بيت يزيد المشهور فهو ضمن أبيات يقول فيها:
نالت على يدها ما لم تنله يد
نقشاً على معصم أوهت به جلدي
إنسية لو رأتها الشمس ما طلعت
من بعد رؤيتها يوما على أحد
سألتها الوصل قالت لا تغر بنا
من رام منا وصالا مات بالكمد
كم من قتيل لنا بالحب مات جوى
من الغرام ولم يبدئ ولم يعد
فقلت استغفر الرحمن من زلل
إن المحب قليل الصبر والجلد
فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت
ورداً وعضت على العناب بالبرد
وهي أبيات كثيرة، وقد وهم من ذكر ان هذه القصيدة للواواء الدمشقي،  «أبو الفرج محمد بن احمد العنائي الغساني الدمشقي المتوفى 551هـ» فالأبيات مثبتة في ديوان يزيد وذكرتها عشرات المراجع الأدبية الموثوقة توفي يزيد شاباً 39 عاماً بمرض النقرس، ثم تولى الخلافة ابنه معاوية حوالي أربعين يوماً، ومات وبموته أصبح المسلمون فرقتين، فرقة تتبع عبدالله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة في الحجاز والعراق واليمن، وفرقة بايعت مروان بن الحكم في الشام ومصر.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله

الإثنين, 15 مايو 2017

بأبي ظبي أتاني بالغلس

شطر هذا البيت في غاية الجمال وبه من التصوير العجيب ما يعجز عن وصفه الواصفون، عندما تتأمل شطر البيت تشعر وكأنك ترى لقاء هذين العاشقين امامك، وهو ضمن بيت قد يعرفه البعض ويجهله الكثير، وهو ما يسمونه الشعر الملوكي، وان كان قائله ليس ملكا ولا ابن ملك، ولكنه كان قريبا منهم، فهو: عبدالله بن العباس بن الفضل بن الربيع بن يونس، المعروف بعبدالله الربيعي، أما الربيع بن يونس، فهو وزير ابوجعفر المنصور وحاجبه وكاتم اسراره ومولاه، وهو من رجال الدنيا سياسة وخدمة للخلفاء توفي عام 169 للهجرة، وكذلك الحال بالنسبة لابنه الفضل الذي وزر للهادي والرشيد والامين وكان يساعده في هذه المهمة ابنه العباس والد صاحب شطر البيت الذي جمع بين الشعر والغناء الحاذق، وهو من بيت عز وجاه وترف، لا ينقصه شيء، فأبدع في شعره وغنائه، وكانت له اصوات من انشائه، وغنى عبدالله، هارون الرشيد والامين محمد وهارون الواثق وجعفر المتوكل ونال احسانهم واجمل ما قاله:
يا ابي ظبي اتاني بالغلس
قمت اجلالا له حتى جلس
ولقد اختار في هذا البيت وقتا احب ما يكون للعاشقين! تدرون متى يكون وقت الغلس؟ يكون حين بدء زوال الليل واختلاط ظلمة الليل بضوء النهار فهل رأيتم أجمل من هذا الوقت؟ بيت في غاية الرقة والاحساس الصادق المرهف، فسره على نفسك حتى تعرف كم هو جميل هذا الشعور: حبيب غائب عن حبيبه لفترة جاءه على حين غفلة من الناس وبعيدا عن عيون الرقباء مع اختلاط ديجور الظلام بنور الفجر، لا يأتي بهذا الوقت الا من كان عاشقا مدنفا ذاب شوقا وصبابة الى من يحب، اما العاشق الذي تفاجأ بزيارة حبيبه في هذا الوقت الذي لم يتوقعه ابدا، تالله لكأنه ملك الدنيا وما فيها، كأنه بين اليقظة والحلم. طالعوا كيف ساق هذا الاحساس بأرق الأبيات:
بأبي ظبي اتاني في الغلس
قمت اجلالا له حتى جلس
زارني يخطر في مشيته
حوله من نور خديه قبس
قلت: يا سؤلي ويا بدر الدجى
في ظلام الليل ما خفت العسس!
قال: قد خفت ولكن الهوى
اخذ بالروح مني والنفس
فتعانقنا جميعا ساعة
كادت الارواح فيها تختلس
هذه الابيات الجميلة ألم بها اديب شاعر جاء بعد عبدالله الربيعي بأكثر من أربعة قرون ومن بحرها اغترف وملأ دلوه حيث يقول:
جاءت معذبتي في غيهب الغسق
كانها الكوكب الدري في الافق
فقلت: شرفتني ياخير زائرة
اما خشيتي من الحراس في الطرق
فجاوبتني ودمع العين يسبقها
من يركب البحر لا يخشى من الغرق
هذه الأبيات الثلاثة الجميلة ايضا قالها: لسان الدين ابن الخطيب محمد بن عبدالله ابن سعيد، ابي عبدالله، المولود عام 713 هجريا والمتوفى عام 776 هجريا ولقد جمع لسان الدين بين الادب والشعر والطب والفلسفة، وهو من مشاهير ادباء غرناطة في الاندلس، كما انه صاحب الموشح الاندلسي الشهير:
جادك الغيث اذا الغيث همى
يا زمان الوصل بالاندلس
ولسان الدين ابن الخطيب هو القائل ايضا:
يا غصن نقا مكللا بالذهب
افديك من الردى بأمي وابي
ان كنت اسات في هواكم ادب
فالعصمة لا تكون الا لنبي
والاندلس في ذلك الزمان من اجمل بقاع الدنيا حضارة وثقافة وادابا وشعرا وطبا، وهي اشبه ما تكون الى العصر الذهبي للدولة العباسية ايام خلافة هارون الرشيد: 170 هجرياً - 193 هجرياً فلا بارك الله بمن فرط فيها، وكانت الموشحات الاندلسية رائجة جدا وقد ظل العرب المسلمون بالاندلس قرابة ثمانمئة عام، حتى سقطت بيد الاسبان عام 1492م علما بأنها افتتحت عام 711م فكان آخر ملك عربي مسلم فيها: محمد الثاني ابو عبدالله النصري الذي سلم مفاتيح غرناطة اخر معاقل المسلمين للملك الاسباني: فرناندو وايزا بيلا، ولله الامر من قبل ومن بعد.
دمتم سالمين.

السر أيها السادة هو ما يكتمه المرء، ولا يبوح به لأحد، كائنا من كان وهو اسم لما يسر به الإنسان ولا يعلنه وجمع سر: أسرار. قال الليث: السر ما أسررت به. ومن وصايا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وارضاه: «سرك، أسيرك فإذا بحت به صرت أسيره». وفي كتمان السر يقول الشاعر الجاهلي قيس بن الخطيم:
أجود بمكنون التلاد وإنني
بسرك عما سالني لضنين
وإن ضيع الأقوام سرا فإنني
كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنته
مكان بسوداء الفؤاد كنين
وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: «ما وضعت سري عند أحد افشاه علي فلمته، لأني كنت أضيق به إذ استودعته إياه»، وقالوا في الماضي: صدور الأحرار قبور الأسرار، وأدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما اسر به إليه. يقول ابن خطير أسعد بن مماتي:
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة
والسر عند خيار الناس مكتوم
فالسر عندي في بيت له غلق
ضاعت مفاتيحه والباب مردوم
وعندما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة بعد غدر كفارها بصلح الحديبية أخذ يتجهز لقريش في سرية تامة، وكتمان، وهو يدعو ويقول: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها».
واثناء ذلك بعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو من أهل بدر برسالة مع امرأة الى قريش يخبرهم فيها بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فجاءه الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام علياً والزبير وراء المرأة فلحقا المرأة وقالا لها: أخرجي الكتاب،وهدداها، فلما رأت أن الأمر جدّ أخرجت الكتاب، فذهبا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى محمد بن جبير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اراد الخروج الى مكة في السنة الثامنة من الهجرة، قال لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: «جهزينا وأخفي أمرك»، ودعا الله تعالى قائلا: «اللهم خذ على قريش الأخبار، اللهم خذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلا بغتة»، وذكر انه قال: «اللهم خذ على قريش أبصارهم، فلا يروني إلا بغتة ولا يسمعون بي إلا فجأة» فدخل أبو بكر الصديق على ابنته عائشة وهي تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعمل قمحاً سويقا ودقيقاً وتمراً فقال: «يا عائشة، أهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو؟ قالت: لا أدري، قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم همّ بسفر فآذنينا حتى نتهيأ له. فقالت: لا ادري، لعله يريد سليماً أو ثقيفا، أو هوازن، «لم تخبره بشيء» فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأثناء فقال له أبو بكر: يا رسول الله، أتريد سفرا؟ قال: نعم، فقال: أفأتجهز؟ قال: نعم تجهز، فقال أبو بكر: فأين تريد يا رسول الله؟ قال: أريد قريشا! واخف ذلك يا أبا بكر. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، فسأله الصدّيق: أليس بيننا وبين قريش مدة؟ قال: بلى ولكنهم غدروا، ونقضوا العهد، فأنا غازيهم، وقال لأبي بكر: «اطو ما ذكرت لك» فظان يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام، وظان يظن انه يريد ثقيفا وظان يظن انه يريد هوازن فعميت الاخبار عن قريش حتى باغتهم بغتة وكان من أسباب النصر بعد الله كتمان خبر الغزو، لذا فإن من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود». ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: انتهى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام مع أصحابي، فسلم علينا وأخذ بيدي، ثم أرسلني برسالة وقعد إلى جدار حتى رجعت إليه، فلما أتيت أم سليم قالت: ما أبطأ بك؟ قلت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة، قالت: وما هي؟ قلت: إنها سر. قالت: احفظ السر فما اخبرت به أحدا قط.
يقول أنس بن مالك: كان أول ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قال: «يا بني اكتم سري تكن مؤمنا» فكانت امي وزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنني عن سره فلا اخبرهن به ولا اخبر أحدا أبدا.
وأفضل شعر قيل في كتمان السر قول الإمام علي رضي الله عنه:
فلا تفش سرك إلا إليك
فإن لكل نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال
لا يتركون أديما صحيحا
ومن صور الكتمان أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: تأيمت حفصة بنت عمر «مات زوجها» يقول: فأتى عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما فعرض عليه حفصة رضي الله عنها، فقال له: سأنظر في أمري. ثم قال له بعد ذلك: قد بدا لي لا اتزوج يومي هذا! فلقي أبا بكر الصديق، فقال له: ان شئت زوّجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر ولم يرجع إليه شيئا ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجه، فلقيه أبو بكر بعد ذلك فقال له: يا عمر، لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة! فلم أرجع إليك شيئا قال: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني ان ارجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن لافشي سره ولو تركها لقبلتها، وفي رواية الإمام أحمد: «وكان سراً فكرهت أن افشي سره».
ومن صور كتمان السر أنه كان لي صديق أكبر سنا مني أستأنس برأيه وتجاربه مع الحياة، له صديق آخر أراد ان يتزوج امرأة ثانية على زوجته فأخذ صديقي معه واخبره بأنه يريد أن يتزوج ولا يريد أحدا يعلم ذلك، خاصة أن أبناءه من زوجته الأولى أصبحوا رجالا ويريد أن يكون الامر سرا! وذهب معه وحضر عقد القران وكان شاهدا عليه وتزوج الرجل وانجب من زوجته الثانية اولادا وكبر الأولاد واصبحوا رجالا والامر في طي الكتمان، لا يعلم أحد موضوع الزواج وتوفي الرجل وعندما أراد ابنه الاكبر تجديد بطاقته المدنية فوجئ أن له اخوة لا يعرفهم، وقد مر على الزواج أكثر من عشرين سنة، ولم ينبس صديقي ببنت شفة وظل محافظا على السر طوال هذه السنوات، وقد سألته: كيف استطعت كتمان هذا السر كل هذه المدة؟ فقال: ما كنت  لافشي سر صاحبي أبدا.
وفي النهاية حافظوا على أسراركم واجعلوها في بئر ليس لها قرار.
دمتم سالمين وفي أمان الله

أتدرون أيها الأحبة ما الثلاث التي لا يستطيع المرء تحملها؟ هي:
خروج اضطرار من بلاد يحبها
وفرقة إخوان وفقد حبيب
كيف يتحمل المرء خروجه من وطنه رغماً عن أنفه، هذا الوطن الذي ولد وترعرع فيه، لم تخرج من أرضك بمحض إرادتك ولكنك أخرجت منها، فكأني بك خرجت جسداً بلا روح، عشقك لوطنك لن يفارقك لحظة واحدة، فحب الوطن لا يعادله شيء في الوجود، تأمل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خرج من مكة وطنه، وقف على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الي، ولولا أن أهلك أخرجوني، ما خرجت منك» «الإمام أحمد، الترمذي، النسائي، ابن ماجة»، وهذا بلال بن رباح يشتاق الى مكة المكرمة وهو في المدينة المنورة ويقول رضي الله عنه  وأرضاه:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بفخ وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل
هذه التجربة المريرة عانى منها إخواننا أبناء فلسطين الغالية، وما زالوا يعانون الى ان يجمع شملهم الواحد الأحد، ويكتب لنا النصر ويعود الحق الى أصحابه، خروجك اضطرارياً من وطنك سم تتجرعه، أما الأمر الثاني الذي ذكره كبير شعراء الجاهلية زهير بن أبي سلمى فهو: «فرقة إخوان» والفرقة تعني التفرق والتشتت والابتعاد، وتفرق الاخوة المتحابين المتآلفين لا يقل ألماً عن خروجك من وطنك بالرغم عنك، فالمرء بلا أحباب كالغريب، وان كانت هذه الفرقة سببها الموت، سيكون حزناً ملازماً للنفس، فكيف لا يحزن المرء على موت من أحب، إنها لداهية دهماء ومصيبة عظمى، الأمر الثالث الذي ذكره مكملاً لما سبقه وهو «فقد حبيب» والويل لمن اجتمعت عليه الثلاث مصائب: الخروج الاضطراري من وطنك وفرقة إخوانك وفقد حبيبك، لا أخال من اجتمعت عليه هذه المصائب إلا سيموت مكانه، أي تصوير بليغ صوره لنا هذا الشاعر الفحل زهير بن أبي سلمى!! عندما تتأمل بيته تشعر وكأنه عاش هذه المآسي وعاينها.
قال التبريزي: زهير بن أبي سلمى أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء «زهير بن أبي سلمى، أمرؤ القيس، النابغة الذبياني» وهو صاحب أمدح بيت وأصدق بيت وأبين بيت، فالأمدح قوله: تراه إذا ما جئته متهللاً
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وأصدق بيت قوله:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وأبين بيت قوله يرسم حدود الحق:
فإن الحق مقطعة ثلاث
يمين أو نفار أو جلاء
وزهير من أصحاب المعلقات وقد أثنى على شعره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويكفيك بالفاروق مثنياً وشعره كله حكم وأمثال وأقوال مأثورة، مثل قوله وقد بلغ الثمانين:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أب لك يسأم
روى عبدالله بن عباس ان عمر
بن الخطاب سأله: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: من هو؟ قال: الذي يقول:
ولو ان حمداً يخلد الناس خلدوا
ولكن حمد الناس ليس بمخلد
قلت: ذاك زهير بن أبي سلمى!! قال: فذاك شاعر الشعراء، فسألته: بم نال ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: كان لا يعاظل في  الكلام، ويتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحداً إلا بما فيه، ورأى عمر بعض أبناء هرم بن سنان ممدوح زهير فقال لهم: كان زهير يحسن القول فيكم، فقالوا: ونحن والله نحسن له العطاء،قال: ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم، أيها الأحبة، يعد زهير بن أبي سلمى حكيم الشعراء، وهو بعد متأصل في الشعر، فقد ورث الشعر عن أبيه وخاله، وزوج أمه أيضاً من كبار الشعراء «أوس بن جحر» وله أختان شاعرتان هما: الخنساء وسلمى، وأورث زهير موهبته بالشعر لابنيه: كعب وبجير، وحتى أحفاده كانوا شعراء، وقد عاش هذا الشاعر نحوا من مئة عام، ومن يطالع أشعار زهير بن أبي سلمى بما فيه ذلك معلقته الميمية، يدرك أنه كان موحداً يعترف بوجود الله تعالى والبعث والثواب والحساب يوم القيامة، ومن ذلك قوله:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وقوله أيضا:
بدالي ان الله حق فزادني
الى الحق تقوى الله ما كان بادياً
ومن حكمه السائرة قوله:
ولا تكثر على ذي الضغن عتباً
ولا ذكر التجرم للذنوب
ولا تسأله عما سوف يبدي
ولا عن  عيبه لك بالمغيب
متى تك في عدو أو صديق
تخبرك الوجوه عن القلوب
روى عيسى بن زيد أن معاوية بن أبي سفيان، سأل الأحنف بن قيس عن أشعر الشعراء، فقال له: زهير بن أبي سلمى، قال: كيف؟ قال: ألقى على المادحين فضول الكلام، قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:
فما يك من خير أتوه فإنما
توارثه آباء  آبائهم قبل
هناك رواية لا أعلم صحتها من عدمها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر الى زهير بن أبي سلمى وقد أتت عليه مائة سنة فقال: اللهم اعذني من شيطانه فما لاك بيتاً حتى مات.
دمتم سالمين، وفي أمان الله

الصفحة 1 من 28