جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

ودعبل ليس اسمه وإنما اسمه أبو علي محمد بن علي بن رزين بن ربيعة الخزاعي، ولد في خلافة أبي جعفر المنصور سنة 148هـ، وعاش قرابة المائة عام، كان من فحول شعراء الدولة العباسية، قال عنه قاضي القضاة ابن خلكان: كان بذيء اللسان، مولعا بالهجو والحط من أقدار الناس، هجا هارون الرشيد وعبدالله المأمون ومحمد المعتصم وهارون الواثق ومن دونهم، وطال عمره فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها، فما أجد من يفعل ذلك! «انتهى» والواقع أن نهاية هذا الشاعر كانت على يد أمير الرحبة مالك بن طوق الذي لم يسلم من هجائه، فدس له من اغتاله سنة 246هـ.
أما بيته عنوان الموضوع، فهو ضمن أبيات يقول فيها:
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر
فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم
أبادتهم الأقياد والحبس والقتل
وإنك قد أصبحت في الناس ظالماً
ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
ذكر المرزباني في معجم الشعراء أن الأبيات للهيثم بن فراس السامي، وكذلك الزمخشري في ربيع الأبرار والأشهر أنها لدعبل الخزاعي وهذا ما أثبته صاحب الأغاني وابن خلكان في وفيات الأعيان. وأفضل قصائد دعبل التي يقول فيها:
أين الشباب وأية سلكا
لا، أين يطلب؟ ضل بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته
وأتى المشيب فقلما ضحكا
وكذلك قصيدته في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يقول فيها:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار لعبدالله والفضل تلوه
نجي رسول الله في الخلوات
هذه بعض أبيات والأسماء التي ذكرها بدأها بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي وجعفر الطيار بن أبي طالب، وأسد الله ورسوله حمزة بن عبدالمطلب سيد الشهداء، والسجاد زين العبادين علي الأصغر بن الحسين، وحبر الأمة عبدالله بن العباس والفضل بن العباس، والعجب من دعبل كيف لم يذكر معهم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبدالمطلب.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي آمان الله

ما من طامة إلا وعليها من الله طامة، وعندما يتفرعن الملك أو السلطان أو الحاكم أو الوزير ينسى أو يتناسى متعمداً أن الله له بالمرصاد وهو يمهل ولا يهمل، كان الخليفة الصالح عمر بن عبدالعزيز يقول: «إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك»، وإذا قيل تفرعن فلان، فالمعنى أنه طغى وتجبر وتجاوز الحد في الظلم، والأصل فرعون مصر الذي أرسل المولى عز وجل له سيدنا موسى عليه السلام، أما أول طاغية تجاوز الحد في العتو والتكبر فهو: النمرود بن كنعان ملك شنعار الذي قال لسيدنا إبراهيم عليه السلام: أنا أحيي وأميت، وهو أول جبار في الأرض، ظل هذا الملك يضرب بالمطارق والنعال بسبب بعوضة دخلت في دماغه، تأملوا التاريخ، فما من ظالم إلا وكانت نهايته سيئة للغاية. من هنا حذر هذا الشاعر من الطغيان والعتو فقال:
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر
فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
دعبل بن علي الخزاعي يهجو الفضل بن مروان «170-250هـ» وزير محمد المعتصم بالله الخليفة العباسي الثامن «218-227هـ» يصفه بالجبروت والطغيان، ويذكره بمصير وزراء حملوا نفس اسمه «الفضل» وما آل إليه حالهم، وهم: الفضل بن يحيى البرمكي وزير هارون الرشيد الذي سلب ملكه، ومات في سجنه سنة 193هـ، والفضل الثاني وهو الفضل بن الربيع بن يونس وزير الخليفة محمد الأمين، الذي مات متوارياً عن الأنظار خوفاً من الخليفة عبدالله المأمون سنة 208هـ، والأخير الفضل بن سهل وزير المأمون الذي مات مسموماً سنة 202هـ . كل هؤلاء كانوا في قمة السلطة فانظر ما آل إليه حالهم، هذا ما قاله هذا الشاعر، ولقد طالعت بتمعن سيرة هؤلاء الوزراء الذين ذكرهم دعبل فلم أجد واحداً منهم ذو سيرة سيئة، بل كانوا على جانب عظيم من العدل والانصاف والسخاء، ولكن دعبل شاعر هجاء خبيث اللسان لم يسلم من شره أحد، حتى أنه هجا خلفاء عصره مثل قوله لعبدالله المأمون:
إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الأوهد
يتبع

وفي صحيح الجامع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شاب شيبة في الاسلام، كانت له نوراً يوم القيامة» أما الناس فهم أنماط، فمنهم من ترك شيبه على حاله، واستعد للرحيل، ومنهم من صبغ شيبه كرها له، وقد قال عبد بني الحسحاس:
عميرة ودع ان تجهزت غاديا
كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا
وبالعودة لبيت الخليفة المستنجد بالله عنوان الموضوع، فمن قصة هذا البيت المشهور ان جارية من جواريه عيرته بالشيب، وواضح ان هذه الجارية لها منزلة في قلبه، ولو لم تكن كذلك لما تجرأت عليه، فرد عليها قائلاً:
عيرتني بالشيب وهو وقار
ليتها عيرت بما هو عار
ان تكن شابت الذوائب مني
فالليالي تزينها الأقمار
والمستنجد بالله هو الخليفة الثاني والثلاثين في سلسلة خلفاء الدولة العباسية واسمه: يوسف ابوالمظفر بن محمد المقتفي بن احمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن احمد بن اسحاق بن جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم، ولد سنة 518هـ، وتولى الخلافة سنة 555هـ، وأمه ام ولد «كرجية» اسمها «طاوس» وصف بالعدل وحب الرعية والشدة على المفسدين، وعرف بالذكاء والإلمام بعلم الفلك، كما كان شاعراً، قال ابن الجوزي في المنتظم: وصف المستنجد بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك وايضا الاسطر لاب، روى الوزير ابن هبيرة ان المستنجد قال له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام منذ خمس عشرة سنة، فقال لي: يبقى ابوك في الخلافة خمسا وعشرين سنة، فكان كما قال: فرأيته قبل موت أبي بأربعة أشهر، دخل بي من باب كبير، ثم ارتفعنا الى رأس جبل، وصلى بي ركعتين، وألبسني قميصا، ثم قال لي: قل، اللهم اهدني فيمن هديت، ذكر ابن الاثير في الكامل صفته فقال: كان المستنجد أسمر، تام الطول، طويل اللحية، ومن شعره يثني على وزيره يحيى
بن محمد بن هبيرة:
ضفت نعمتان خصتاك وعمتا
فذكرهما حتى القيامة يذكر
وجودك والدنيا اليك فقيرة
وجودك والمعروف في الناس ينكر
يعد الخليفة المستنجد بالله، من خيرة خلفاء الدولة العباسية، لانه كان شديد الكراهية للظلم، مؤثرا للعدل، وكان العراق تحت سلطانه، وفي خلافته اسقط صلاح الدين الأيوبي الدولة الفاطمية، ودعي له على المنابر، وفي التاسع من ربيع الآخر عام 566هـ توفي المستنجد بالله، ودامت خلافته احدى عشرة سنة وشهرا رحمه الله تعالى.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الشيب سنة الحياة، فكل صغير يكبر، وكل كبير يهرم، الا ان الشيب نذر الرحيل والشيب لا يستأذنك اذا حل، وهو ضيف مقيم لا يفارقك حتى توسد الثرى، ولا شك ان للشيب روعة، جاء في الحديث، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «قال ابوبكر رضي الله عنه، يا رسول الله، قد شبت! قال: شيبتي هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون واذا الشمس كورت» وقيل يوما لعبدالملك بن مروان: أسرع اليك الشيب! فقال: شيبني صعود المنابر، وخشية اللحن، أما أول من رأى الشيب، فقد ذكر سعيد بن المسيب انه سيدنا ابراهيم عليه السلام، فقال: يا رب، ما هذا؟ قال: الوقار، قال: اللهم زدني وقارا، من هنا قال الخليفة المستنجد بالله العباسي:
عيرتني بالشيب وهو وقار
ليتها عيرت بما هو عار
وأول من حاول اخفاء هذا الضيف الثقيل بالسواد، وهو ما يسمى الخضاب فرعون ومن العرب عبدالمطلب بن هاشم «رواية ابن الكلبي» يقول همام بن غالب الفرزدق في ذلك:
الشيب ينهض في الشباب كأنه
ليل يصيح بجانبيه نهار
ان الشباب لرابح من باعه
والشيب ليس لبائعيه تجار
ومن اجمل ما قيل في توديع الشباب وحلول الشيب قول ابوالعتاهية:
بكيت على الشباب بدمع عيني
فلم يغن البكاء ولا النحيب
فيما أسفا بكيت على شباب
نعاه الشيب والرأس الخضيب
عريت من الشباب وكنت غضا
كما يعرى من الورق القضيب
فياليت الشباب يعود يوما
لأخبره بما فعل المشيب
وقال عمر بن بحر الجاحظ:
اترجو ان تكون وانت شيخ
كما لو كنت في عصر الشباب
لقد كذبتك نفسك لبس ثوب
دريس كالجديد من الثياب
والعطار ايها الأحبة لا يصلح ما افسد الدهر، لا للرجال ولا للنساء، يقول ابوالعاج الكلبي لزوجته المتصابية:
عجوز وترجو ان تكون صبية
وقد شاب منها الرأس واحدودب الظهر
تدس الى العطار ميرة أهلها
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
ولعل أعصر «منبه» بن سعد بن قيس عيلان أول من ذكر الشيب في شعره، حيث يقول:
اعمير ان أباك شيب رأسه
كر الليالي واختلاف الأعصر
ويقول الاسود بن يعفر الدرامي التميمي:
اوبعد ما ابيض القذال وشابا
أصبو لوصل البيض او اتصابى!

النجوم عبارة عن أجسام كروية مشعة في الفضاء، كما أنها تبعث كميات هائلة من الطاقة في انحاء الكون، وتعد من أهم مصادر الطاقة في هذا الكون الواسع، وتدل على عظمة وقدرة الخالق عز وجل، وبها يهتدي ساري الليل ولأنها مخلوقات عظيمة أقسم بها المولى وقال: «والنجم إذا هوى» «1» النجم، ولا أود أن أبحر بعلم النجوم، فلهذا العلم أهله، ورحم الله أمرءاً عرف قدر نفسه، وعندما تتأمل بيت الشعر نجد أن هذا الشاعر وصف من امتدح بالنجوم التي يسري بها الساري، وهو وصف بليغ، فعندما يصف الشاعر رجلا بالنجم فقد بالغ في الثناء، وكفى ووفى.
صاحب هذا البيت شاعر جاهلي اسمه: عبيد بن العرندس الكلابي، وبنو كلاب قبيلة عامرية فهم: كلاب بن ربيعة بن عامر
بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ولهذا البيت قصة ذكرت في الكامل في اللغة والأدب، فقد ذكر أن عبيداً هذا قصد ثلاثة أخوة من بني غني، فامتدحهم فجعلوا له عليهم في كل سنة ذودا، فكان يأتيهم كل سنة فيأخذ الذود، ومما قاله فيهم:
يا دار بين كليات وأظفار
والحمتين سقاك الله من دار
على تقادم ما قدر مر من عصر
مع الذي مر من ريح وأمطار
ثم يقول في هؤلاء الاخوة:
هينون لينون أيسار ذوو يسر
سواس مكرمة أبناء أيسار
لا ينطقون على العمياء إن نطقوا
ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري
فيهم ومنهم يعد المجد متلدا
ولا يعد نثا خزي ولا عار
وإن تلينتهم لانوا وإن شهموا
كشفت أذمار حرب غير أغمار
إن يسألوا العرف يعطوه وإن جهدوا
فالجهد يكشف منهم طيب أخبار
والعرب جبلوا على المدح والهجاء وهم لا يمدحون إلا من يستحق المدح، ولا يذمون إلا من يستحق الذم، روي أن هشام بن عبدالملك حج قبل أن يتولى الخلافة، فجهد أن يصل إلى الحجر الأسود من شدة الزحام، فنصب له منبر فجلس ينظر إلى الحجاج وكثرتهم وحوله جنود الشام وبالقرب منه الفرزدق الشاعر، وبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وعن أبيه وجده وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة، فجعل يطوف، فإذا بلغ الحجر تنحى عنه الناس حتى يستلمه هيبة له وإجلالا، فأعجب به أهل الشام، ولم يكونوا رأوه قبل ذلك، فسأل هشاما أحدهم: من هذا الرجل الذي تنحى الناس هيبة له؟ فقال هشام: لا أعرفه وهو به عارف، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، قال: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عبادالله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك: من هذا؟ بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما
يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة، لا تخشى بوادره
يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام، اذا افتدحوا
حلو الشمائل تحلو عنده نعم
ما قال: لا قط، إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه نعم
عم البرية بالإحسان، فانقشعت
عنها الغياهب والإملاق والعدم
إذ رأته قريش قال قائلها
الى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء، ويغضى من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق
من كف أروع في عرنيته شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الله شرفه قدما، وعظمه
جری بذاك له في لوحة القلم
اي الخلائق ليست في رقابهم
لأولية هذا، أو له نعم
من يشكر الله يشكر أولية ذا
فالدين من بيت هذا ناله الأمم
ينمى الى ذروة الدين التي قصرت
عنها الأكف، وعن ادراكها القدم
من جده دان فضل الأنبياء له
وفضل أمته دانت له الأمم
مشتقة من رسول الله نبعثه
طابت مغارسه والخيم والشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته
كالشمس تنحاب عن اشراقها الظلم
من معشر حبهم دين وبغضهم كفر
وقربهم منجى ومعتصم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم
في كل بدء ومختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل: «من خير أهل الارض؟» قيل: هم
لا يستطيع جواد بعد جودهم
ولا يدانيهم قوم، وإن كرموا
هم الغيوث، إذا ما أزمة أزمت
والأسد أسد الشرى، والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم
سيان ذلك: إن أثروا وإن عدموا
يستدفع الشر والبلوى بحبهم
ويسترب به الاحسان والنعم
فغضب هشام وأمر بحبسه بعسفان بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبعث له علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم وقال له: أعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك، فردها الفرزدق وقال: يا بن رسول الله، ما قلت ما قلته إلا حبا لله ورسوله وقرابته، وما كنت لاخذ علی هذا شيء، فردها له زين العابدين وقال: بحقي لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك، فقبلها.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

وكان يحيى اذا سأله أحد في الطريق وهو راكب، أقل ما يأمر له مائت درهم، فقال للرجل: صدقت، وأمر ان يذهب به الى منزله، فلما عاد يحيى سأل عن الرجل، فقيل له: تزوج! وهو يريد ان يدخل على أهله، فأمر للرجل بأربعة آلاف صداقها، وأربعة آلاف ثمن دار يشتريها، وأربعة آلاف ثمن الأمتعة، وأربعة آلاف ثمن الدخول، وأربعة آلاف يستظهر بها، وكان يقول أيام دولته: «الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة» وقد حاول جاهدا استعطاف هارون الرشيد دون جدوى، ومن رسائله اليه وهو في السجن:
قل للخليفة ذي الصنيعة
والعطايا الغاشية
وابن الخلائف من قريش
والملوك العالية
ان البرامكة الذين
رموا اليك بداهية
صفر الوجوه عليهم
خلع المذلة بادية
عمتهم لك سخطة
لم تبق منهم باقية
فكأنهم مما بهم
اعجاز نخل خاوية
بعد الامارة والوزارة
والأمور السامية
اضحوا وجل مناهم
منك الرضا والعافية
يا من يريد لي الردى
يكفيك مني ما بيه
يكفيك ما أبصرت من
ذلي وذل مكانية
وبكاء فاطمة الكئيبة
والمدامع جارية
ومقالها بتوجع
يا سوأتي وشقائية
من لي وقد غضب الزمان
على جميع رجالية
الا ان الرشيد لم يلتفت اليه وأعطاه أذنا صماء، وقد ذكر المؤرخون عدة اسباب لنكبة البرامكة رغم ان هارون الرشيد لم يقل لأحد شيئا، ورفض الافصاح عن السبب لأقرب المقربين، من هذه الأسباب: تخطيط البرامكة للانقلاب على الدولة العباسية، وهذا الاقرب الى الواقع، وذكر ان السبب العباسة أخت الرشيد، وقيل غير ذلك، ورغم ان الرشيد نكب البرامكة الا ان ابن الجوزي روى بسنده ان الرشيد قال بعد ذلك: لعن الله من أغراني بالبرامكة، فما وجدت بعدهم لذلة ولا راحة ولا رجاء، وددت والله اني شطرت نصف عمري وملكي وأني تركتهم على حالهم.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

احذر الزمان ولا تركن الى الدعة، واحمد الله تعالى على السراء والضراء، واحذر دعوة المظلوم، فليس بينها وبين الله حجاب، نحن نعلم ان اشهر وزراء في التاريخ الإسلامي البرامكة، فما كان مصيرهم؟ قتلوا وسجنوا وصاروا عبرة وعظة لغيرهم، روى ابن كثير في تاريخه ان بعض أبناء يحيى بن  خالد بن برمك قال له وهم في السجن: يا أبت، بعد الأمر والنهي والنعمة، صرنا الى هذا الحال؟ فقال: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون، ولم يغفل عنها الله تعالى عنها، ثم انشأ يقول:
رب قوم قد غدوا في نعمة
زمنا والدهر ريان غدق
سكت الدهر زمانا عنهم
ثم أبكاهم دما حين نطق
هذا الرجل ايها السادة كان الرجل الثاني بعد الخليفة هارون الرشيد في الدولة العباسية، وكان يملك من الأموال والدور والضياع ما لا يملكه الخليفة نفسه ثم كانت نهايته الموت في السجن.
انه ابوعلي الوزير الكبير يحيى بن خالد بن برمك والد جعفر، ضم اليه الخليفة محمد المهدي ابنه هارون مع ابنه الفضل، فلما بويع الرشيد بالخلافة عرف له حقه، وكان يقول له «ابي» ففوض اليه امور الخلافة وأزمتها، ولم يزل في عز وجاه ورفعة الى ان نكبهم الرشيد، فقتل جعفر، وزج يحيى بالسجن حتى مات في سجنه عام 190هـ.
كان هذا الرجل موصوفا بالخير، كريما فصيحا ذا رأي سديد، وكان يقول لأولاده: اكتبوا احسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون، قال له رجل:
يا سمي الحصور يحيى أتيحت
لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم
فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل
هم منكم للقابس العجلان
يتبع

الجمعة, 08 سبتمبر 2017

اشتدى أزمة تنفرجي «2-2»

وهي أبيات مشهورة في بلاد المغرب العربي يقول في بعضها:
والرفق يدوم لصاحبه
والخرق يصير الى الهرج
صلوات الله على المهدي
الهادي الناس الى النهج
هذه القصيدة تسمى المنفرجة ولها قصة فقد استولى والي بلدة هذا الشاعر على امواله ظلما وعدوانا فخرج ابن النحوي من توزر الى الجزائر واقام في مسجد بني حماد بالمسيلة فبعث اهله اليه يشتكون من قلة ذات اليد وشظف العيش وسألوه ان يرسل الى هذا الوالي الظالم ليأذن له بالرجوع إلى توزر فهم في أمس الحاجة إلى رجوعه فقال رحمه الله:
لبِسْتُ ثَوبَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا
وَقُمْتُ أَشْكُو إِلَى مَولَايَ مَا أَجِدُ!
وَقُلْتُ: يَا سيدي يا منتهى أملي
ويامنْ عَلَيْهِ بِكَشْفِ الضُّرِّ أعْتَمِدُ!
َشْكُو إِلَيْك أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا
مَا لِي عَلَى حِمْلهَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ!
وَقَدْ مَدَدتُّ يَدِيْ للضر مشتكيا
إِلَيْكَ يَا خَيرَ مَنْ مُدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ!
فرأى الوالي رؤيا افزعته وهالته فبعث لابن النحوي ورد له ماله واعتذر اليه ذكر ان هذا الوالي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له: ابعث لابي الفضل النحوي في بني حماد بالجزائر من يأتيك به فبعث اليه وحضر عند الوالي وسأله عن وسيلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصيدة المنفرجة التي ذكرت لكم معظم ابياتها وكان ابن النحوي كما يذكر مجاب الدعوة حتى انه كان يقال في عصره «نعوذ بالله من دعوة ابن النحوي» ولكي نتعرف عليه اكثر فهو يوسف بن محمد بن يوسف التوزري التلمساني القيرواني القلعي مجتهد وفقيه وناظم من أهل تلمسان ولد بمدينة توزر سنة 434 هـ نسب الى مدينة توزر مسقط رأسه في الجنوب التونسي دخل سلجماسة وفاس وصفاقس والقيروان وله رحلة إلى الاندلس ثم استوطن مدينة القلعة عاصمة الدولة الحمدانية الاولى فقيل له القلعي عرف بسعة العلم والالمام التام بأصول الدين له نظر واجتهاد من أهل الفضل له حظ في الادب والشعر حاضرا مع الله تعالى في غالب امره اقام مركزا ثقافيا في القلعة وتخرج على يديه الكثير من الطلبة فاشتهر شهرة واسعة فضاق به ذرعا فقهاء فاس وحسدوه على المكانة التي وصل اليها مما جعله يغادر فاس متوجها إلى القلعة الحمادية وقال في ذلك: اصبحت في من له دين بلا ادب... ومن له ادب خال من الدين.
والحديث عن ابن النحوي طويل وفي الايجاز فائدة وقد توفي بقلعة بني حماد في المحرم سنة 513 هـ رحمة الله,  اما الحماديون فهم سلالة امازغفية صنهاجية حكمت الجزائر ما بين 1014 - 1152م وجدهم حماد بن بلكين وقد حكم منهم تسعة ملوك اولهم حماد بن بلكين وآخرهم يحيى بن عبدالعزيز.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين في امان الله

الأربعاء, 06 سبتمبر 2017

اشتدى أزمة تنفرجي «1-2»

الازمة اسم مفرد جمعه أزمات والمعنى الشدة والضيق وعندما يتعرض المرء لأزمة ايا كان نوعها ربما دب اليأس في نفسه الا ان هناك فئة من الناس تلوذ بالصبر واضعة نصب اعينها قول البارئ عز وجل: «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» 4 - 5 سورة الشرح يقول الشاعر العباسي ابو تمام حبيب بن اوس بن الحارث الطائي «188 - 231هـ»:
وما من شدة إلا سيأتي.. لها من بعد شدتها رخاء
وعلى نفس السياق يقول الاديب الشاعر إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول «167 - 243هـ».
ولرب نازلة يضيق بها الفتى.. ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت اظنها لا تفرج
يقول أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزي ابن النحوي:
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
وَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ
حَتّى يَغشَاهُ أبُو السُرُجِ
وَسَحَابُ الخَيرِ لَهَا مَطَرٌ
فَإِذَا جَاءَ الإِبّانُ تَجي
وَفَوائِدُ مَولانا جُمَلٌ
لِسُرُوحِ الأَنفُسِ والمُهَجِ
وَلَها أَرَجٌ مُحي أَبَدا
فَاقصُد مَحيَا ذاكَ الأَرجِ
وَالخَلقُ جَميعاً في يَدِهِ
فَذَوُو سِعَةٍ وَذَوُو حَرَج
وَنزُولهُمُ وَطُلُوعُهُمُ
فَعَلى دَرَكٍ وَعَلَى دَرَجِ
وَمَعائِشُهُم وَعَواقِبُهُم
لَيسَت في المَشيِ عَلى عِوَجِ
حِكَمٌ نُسِجَت بِيَدٍ حَكَمَت
ثُمَّ انتَسَجَتُ بِالمُنتَسجِ
فَإِذا اقتَصَدت ثُم انعَرَجَت
فَبِمقتَصِدٍ وبِمُنعَرِجِ
شَهِدتَ بِعَجائِبَها هدى
قامَت بِالأَمرِ عَلى الحِجَجِ
وَرِضاً بِقَضَاءِ اللَهِ حَجىً
فَعَلَى مَر كُوزَتِهِ فَعُجِ
وَإِذا حاوَلتَ نِهايَتَها
فاحذَر إِذ ذاكَ مِنَ العَرَجِ
لِتَكُونَ مِنَ السُبَاقِ إِذا
ما جِئتَ إِلى تِلكَ الفُرَجِ
فَهُنَاكَ العَيشُ وَبَهجَتُهُ
فَلِمُبتَهِجٍ وَلِمُنتَهِجِ
وَمَعاصِي اللَهِ سَماجَتُها
تَزدَانُ لِذِي الخُلُقِ السَمِجِ
وَلِطَاعَتِهِ وَصَباحَتِها
أنوَارُ صَبَاحٍ مُنبَلِجِ
يتبع

وبعد ما ذكرته لكم دعونا نتعرف على هذا الأمير: هو أبو الوليد، معن بن زائدة بن عبدالله بن مطر بن شريك الشيباني يتصل نسبه بهمام بن مرة أحد فرسان حرب البسوس شقيق جساس قاتل كليب بن وائل، كان أميراً في أواخر العصر الأموي، قاتل الجيوش العباسية قتالا شديداً إلى جانب يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري في خلافة مروان بن محمد بن مروان ولما قتل يزيد ومروان هرب من العباسيين وتوارى عن الأنظار حتى تولى الخلافة أبو جعفر المنصور، فجد في طلب معن، وجعل لمن يقبض عليه جائزة كبيرة، فأمعن في الهرب حتى دخلت سنة 141 هـ وفيها خرجت طائفة يقال لهم: الرواندية على المنصور، ذكر الطبري أن هذه الطائفة أخذت تطوف على قصر المنصور، وتقول: هذا ربنا فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين، فهاجموا السجن واخرجوا رؤساءهم، ثم قصدوا المنصور وهجموا على قصره ولم يكن مستعداً، فخرج لهم ماشياً لم يجد دابة يركبها لتفاقم الأمر، ثم جيء له بدابة فركبها، وقصد نحو الرواندية، فظهر معن بن زائدة في هذه اللحظات الحرجة وأخذ بلجام بغلة المنصور وهو لا يعرفه وقال له: ارجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم، ثم قاتل قتالاً شديداً هو ومن معه والمنصور يرى ذلك، حتى قتلوا الرواندية عن بكرة أبيهم، فقال له المنصور وقد أعجب به اعجاباً شديداً وسأله: من أنت لله أبوك؟ فقال معن: طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة الشيباني، ثم توارى عن الأنظار مرة ثانية، ولما انتهى الأمر وجيء بالطعام أبى المنصور أن يأكل إلا ومعن معه، فجاء معن وأكل معه ووهبه عشرة آلاف درهم وولاه اليمن.
ولم اقرأ لرجل تأمر في دولتين، الأموية والعباسية إلا هذا ومسلم بن قتيبة الباهلي، روى معن أنه أثناء اختفائه من المنصور اشتد عليه الطلب، وضاقت به الأرض، فلبس جبة وركب جملا وخرج يريد البادية، وبينما هو يسير بجمله إذا بعبد أسود يقبض على خطام الجمل وينيخه ثم يقبض عليه، فقال له معن: ما تريد؟ فقال: أنت معن بن زائدة طلبة أمير المؤمنين، ودار بينهما حوار طويل انتهى بأن أطلق العبد سراحه، وقال له: وهبتك لجودك المأثور بين الناس، فكان معن يقول بعد ذلك؟ لم أر أكرم منه، وهبته جوهرا نفسيا فأبى أن يأخذه وقال: حتى تعرف أن هناك من هو أكرم منك، ولما دخلت سنة 159 هـ، قتل الأمير معن بن زائدة، قتلته الخوارج غيلة وهو يحتجم رحمه الله.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

الصفحة 1 من 33