مشعل السعيد

مشعل السعيد

الأحد, 23 يوليو 2017

أكذب بيت قالته العرب (1-2)

الكذب أدوأ الأدواء وهو آفة وعار بالدنيا ونار في الآخرة وليست ثمة عيب أسوأ منه على الاطلاق وهو موجود في كل زمان ومكان، وأسوا أنواع الكذب أن تكذب وتصدق نفسك وتجبر من حولك على تصديقك، والكذب كمعنى هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع وحبل الكذب قصير لا يدوم وصاحبه سرعان ما ينكشف، وظاهرة الكذب تفشت في مجتمعنا وأصبحت من الضروريات اليومية الملحة ولا أعمم هذا الأمر إلا أنه بات أمرا ملحوظاً.والكاذب لا يفلح ابدا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا, وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». والكذب مصدر الآثام والشرور والله سبحانه وتعالى يقول «إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب» غافر28, ويقول ايضا عز من قائل «إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بالله وأولئك هم الكاذبون» النحل 105 والكذاب يفقد احترام الناس وثقتهم، يقول أبو الحسن التميمي الشاعر الضرير منصور بن إسماعيل:
لي حيلة في من ينم
وليس لي في الكذاب حيلة
من كان يخلف ما يقول
فحيلتي فيه قليلة
والكذب في النساء أسوأ منه في الرجال وإن كانت المحصلة النهائية واحدة وأكذب من عرف بالتاريخ الإسلامي: مسيلمة بن حبيب الحنفي المعروف بمسيلمة الكذاب، وقد ألف سوراً ادعى ان جبريل عليه السلام نزل بها عليه منها قوله لعنه الله: والليل الأطحم, والذئب الأدلم, والجذع الأزلم, ما انتهكت أسيد من محرم, وقال أيضا: والمبذرات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والباغي فناوئوه.

كان أبو فراس شاعرا فحلا، وأقول أيها الأحبة إن المنافسة بينهما أقرب ما تكون من المنافسة بين جرير والفرزدق في عصر بني أمية، ثم ان شعر أبو فراس لم يكن للتكسب أو الحصول على المال فهو من بيت ملك وجاه، أمير ابن أمير يقول ما يريد، هناك أمر مهم ذكره بعض المؤرخين والباحثين وهو أمر غريب، فقد ذكروا أن علاقة عاطفية بين المتنبي وخولة أخت سيف الدولة هي سبب التباعد بينهما، فلم يرض أبو فراس عن هذه العلاقة، خاصة وأن المتنبي كان يطمح إلى الزواج منها، فاستفظع أبو فراس هذه العلاقة، وربما يكون هذا سببا من الأسباب، ولا بأس أن أحدثكم عن الدولة الحمدانية التي اشتهر منها سيف الدولة وأبوفراس وغيرهما، أسس هذه الدولة أو الإمارة أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء المعروف بلقب «ناصر الدولة»، وهو الحسن بن حمدان بن حمدون المتوفى «358هـ» في مدينة الموصل أيام الخليفة أبو الفضل جعفر المقتدر بالله بن المعتضد «295 - 320ّّهـ» وكان ناصر الدولة صاحب طموح سياسي واسع، وبالفعل استطاع أن يقيم إمارة مستقلة، إلا أنها تتبع الخلافة العباسية بعد أن حاربه المقتدر بالله العباسي، وقد استمرت هذه الإمارة 77 سنة منها 59 سنة في حلب وحدها، ويعد عصر سيف الدولة العصر الذهبي للإمارة الحمدانية، وجد هذه الأسرة أبوالعباس.
حمدان بن حمدون التغلبي، وقد برز أمراؤهم في القرن الثالث الهجري، وكان مذهب هذه الامارة العربية الرسمي المذهب الشيعي الجعفري، وعلى المستوى الشعبي المذاهب السنية الاربعة، وأول أمرائهم ناصر الدولة الحمداني وآخرهم ابو الفضائل سعيد الدولة بن سعد الدولة، اما ابو فراس الحمداني فأشعاره كلها تحب، ومنها قوله:
الشّعرُ دِيوانُ العَرَبْ
أبداً ، وعنوانُ النسبْ
لَمْ أعْدُ فِيهِ مَفَاخِري
ومديحَ آبائي النجبْ
ومقطعاتٍ ربمـا
حَلّيْتُ مِنْهُنّ الكُتُبْ
لا في المديحِ ولا الهجاءِ
وَلا المُجُونِ وَلا اللّعِبْ
العجيب أن الناس لا يعجبهم من أشعاره الا: أراك عصي الدمع شيمتك الصبر، وكذلك: اقول وقد ناحت بقربي حمامة، بينما لأبي فراس قصائد اخرى في غاية الجودة مثل قصيدته التي أرسلها لأمه وهو في الأسر، يقول في بعض أبياتها:
لَوْلا العَجُوزُ بِمَنْبِجٍ
مَا خِفْتُ أسْبَابَ المَنِيّهْ
وَلَكَانَ لي، عَمّا سَأَلْـتُ
منَ الفدا ، نفسٌ أبيهْ
لكنْ أردتُ مرادها
وَلَوِ انْجَذَبْتُ إلى الدّنِيّهْ
وَأرَى مُحَامَاتي عَلَيْهَا
أنْ تُضَامَ مِنَ الحَمِيّهْ
أمستْ بمنبج حرة
بالحُزْنِ، من بَعدي، حَرِيّهْ
وفيها يقول:
يَا أُمّتَا! لا تجزعي
وثقي بفضلِ اللهِ فيَّــهْ
يَا أُمّتَا! لا تَيّأسِي
للهِ ألطافٌُ خفيهْ
كَمْ حَادِثٍ عَنّا جَلاهُ
وَكَمْ كَفَانَا مِنْ بَلِيّهْ
أوصيكِ بالصبرِ الجميلِ
فإنهُ خيرُ الوصيهْ!
اكتفي بهذا القدر
دمتم سالمين وفي أمان الله.

إنه الحب يا سادة، وليس هذا حبا مألوفا وإنما حب كبير أقرب ما يكون إلى العشق، لقد سيطر الحب على كيان هذا الشاعر حتى أنه وصف نظره إلى حبيبه بالنعيم، وأن فراقه أمر عظيم:
نظري الى وجه الحبيب نعيم
وفراق من أهوى علي عظيم!
ما هذا النعيم الذي يراه بمجرد نظره الى وجه حبيبه؟ إنه السعادة والبهجة والفرح والسرور والراحة النفسية، وكل شيء جميل يراه في وجهه، لقد شبه وجه حبيبه بنعيم الدنيا وملذاتها، أما إذا فارقه فهو الويل والثبور وعظائم الامور، تذهب عنه السعادة، ويكون وقع هذا الأمر شديداً على نفسه، هو وصف عجيب، وصورة بليغة، ومفردات سهلة وسلسة، وبيت شعر سهل إلا أنه سهل ممتنع، وتظهر الواقعية بقوله:
ما كل من دخل الهوى عرف الهوى
ولا كل من شرب المدام نديم
سؤال يطرح نفسه: هل كل من أحب ودخل الهوى يعرف ما هو الحب والهوى؟ بالطبع لا، فلو أن كل من أحب عرف معنى الهوى والحب، لما اختلف المحبون فيما بينهم وتهاجروا وتخاصموا، ولا استمر الحب كما بدأ، وحتى من ينادمك على الراح ويشرب معك، إن لم يكن عارفا بأصول المنادمة صار وبالا عليك، وربما تجاوز عليك بلسانه ويده، هو تشبيه بين الشطر الاول والشطر الثاني في هذا البيت، فليس كل من دخل الهوى عارفا به كالنديم الذي ربما كان شرا عليك، والهوى في اللغة معناه العشق والميل وإذا هوى الرجل المرأة أحبها، أما المدام فهو اسم من أسماء الخمر، والنديم المصاحب على الشراب، المسامر وجمع نديم: ندماء وندام بكسر حرف النون، هذان البيتان اللذان ذكرتهما من الأبيات المشهورة المغناة إلا أن الناس اختلفوا على الشاعر، وكل أدلى بدلوه وسأدلي بدلوي كغيري وأقول: إن صاحب هذه الأبيات أبو فراس الحمداني الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، الربعي «320 - 357» الذي يقول في هذه الأبيات:
يازارع الريحان حول خيامنا
لاتزرع الريحان لست مقيم
ما كل من طلب السعادة نالها
ولا كل من قرأ الكتاب فهيم
هذا نهج وأسلوب الأمير أبو فراس وما أجمل قوله:
مغرم، مؤلم، جريح، أسير
إن قلبا، يطيق ذا، لصبور
وكثير من الرجال حديد
وكثير من القلوب صخور
قل لمن حل بالشام طليقا
بأبي قلبك الطليق الأسير
أنا أصبحت لا أطيق حراكا
كيف أصبحت أنت يا منصور
وقد بزغ نجم أبو فراس الحمداني في وقت شهرة أبو الطيب المتنبي، وهذا دليل على قوته في الشعر، وأنه وصل المرتبة التي وصل إليها المتنبي، إلا أن هناك جفاء واضحا بينهما، فما أسباب هذا الجفاء؟ هناك من يقول ان أبو فراس نشأ في بيت ملك لذلك كان ينظر إلى المتنبي على أنه رجل من السوقة «عامة الناس» وأن شعره أفضل! بنفس الوقت يرى المتنبي أن الإمارة رفعت من شأن أبي فراس وأعطته فوق ما يستحق، والواقع أنه كانت هناك معرفة أدبية بينهما، وهناك آراء مختلفة في المقارنة بينهما، يقول ابن رشيق: وما أبو الطيب، فلم يذكر معه الا أبو فراس ولولا مكانه في السلطان لأخفاه، ويضيف: كان في المتنبي اعتزاز بالنفس وشموخ جعله يتعالى على الآخرين، ما دفعهم الى الحقد عليه، وتدبير المؤامرات له، وتلمس عيوبه وسقطاته، وأما أبو فراس فهو الناشئ في ظل نعمة،
دمتم سالمين وفي أمان الله.

هذا البيت عنوان هذه الزاوية من الأبيات المشهورة، كنا ومازلنا نتمثل به ويعد قاعدة عند بعض الناس، اما البعض الآخر فلا يسلم به بأي حال من الأحوال، وكلاهما على حق، وأميل إلى عدم التسليم بهذه القاعدة لأننا قد نرى رجلا صالحا مستقيما مذكورا بالخير بين الناس، علما ان اباه لم يكن كذلك.
هذا الامر كسر قاعدة هذا البيت استمعوا معي إلى هذه القصة وخذوا العبرة منها، فربما اقتنعتم بوجهة نظري.
يروى ان فتيانا من أهل المدينة المنورة، على ساكنها افضل الصلاة والسلام، توفي والدهم وكان قد ترك عند اخيه «عم الفتيان» مالا لان ابناءه كانوا صغارا فلم يعطهم المال فذهب الفتية إلى امير المدينة المنورة وهو عمر بن عبدالعزيز ودخلوا عليه، فقال اكبر الفتية اصلح الله الأمير، ان أبانا قد توفي، وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي ونحن أحق به، وأحوج ما نكون له. فبعث عمر وراء عمهم واحضره وكان يعرفه، فحضر حميد وما ان رآه عمر بن عبدالعزيز حتى قال له: انت الذي تقول:
«حميد الذي أمج داره
اخو الخمر ذو الشيبة الاصلع
اتاه المشيب على شربها
وكان كريما فلم يقلع».
قال: «نعم أنا قائلها».
قال عمر: «ما اراني إلا سوف احدك انك اقررت بشرب الخمر، وقلت انك لم تنزع منها».
قال حميد: ايهات اين يذهب بك؟ ألم تسمع الله عز وجل يقول: «وانهم يقولون مالا يفعلون»؟
فقال عمر: «أولى لك يا حميد، ويحك كان ابوك رجلاً صالحا وانت رجل سوء».
قال: «أصلحك الله، وأينا يشبه اباه؟ كان ابوك رجل سوء وانت رجل صالح». ودار حديث طويل بينهما ولا يهمنا منه إلا انه ليس بالضروري ان يكون الابن على سيرة أبيه، إلا اذا كان معنى البيت على نحو قول رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه»، فهذا معنى آخر وعموما هذا البيت يضرب مثلا للبيت الذي لا رقابة فيه، فاذا كان الاب لا يسأل ابناءه اين ذهبتم ومن اين جئتم يصبح البيت سائبا، وايضا اذا شاهد الناس رجلا غير سوي قالوا: «لا عجب في ذلك كان ابوه مثله»، وكذلك المسؤول الغشاش المرتشي لا تتعجب اذا رأيت موظفيه يأخذون الرشوة، واذا كان مدير ادارة لا يصل إلى عمله إلا متأخرا فستجد الموظفين يسيرون على نهجه لان القدوة فاسد فيتأخرون ويعطلون مصالح العباد والبلاد، واذا عدنا إلى البيت المشهور فربما يكون كثير من الناس لا يعرفون صاحبه رغم شهرته، وهو شاعر عراقي عباسي العصر، بغدادي المولد والوفاة لقبه سبط ابن التعاويذي ، ابو الفتح، محمد بن عبدالله بن عبدالله ولد في سنة 519 هجرية وهو شاعر عصره دون مدافع، له اخبار كثيرة مع الخليفة العباسي الناصر لدين الله احمد بن الحسن المستضيء بأمر الله «575هـ – 622هـ» كان هذا الشاعر يلي الكتبة في ديوان الولايات وكف بصره قبل وفاته بأربع سنين، سنة 579هـ وكانت وفاة سبط ابن التعاويذي سنة 583هـ ومن اشهر ما قاله في الرويبضة.
«وقالوا استبانت يا ابن عروة ابنتك
فقلت لهم: ماذاك في حقه نقص
اذا كان رب البيت بالدف ضاربا
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص»
وقد ورد آنفا ذكر الخليفة العباسي الناصر لدين الله فاحببت ان اترجم له: هو احمد بن الحسن بن يوسف بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن اسحاق بن جعفر بن احمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم،الخليفة العباسي الرابع والثلاثون ولد عام 553هـ وحكم خمسين عاما وكان كما يصفه مؤرخو الاسلام سد بني العباس، اعاد للخلافة العباسية هيبتها وهو ايضا عالم وشاعر واديب، راو لحديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم» لم يول الخلافة احد اطول منه مدة، قمع الاعداء واستظهر على الملوك وساس الخلافة سياسة صارمة، عرف بذكائه المفرط، توفي في رمضان سنة 622هـ بعد ان دانت له الدنيا، رحمه الله تعالى.. أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

الأحد, 16 يوليو 2017

ذمة العرب

ذمة العرب كانت ثم اضمحلت وزالت إلا من رحم الله تعالى، والذمة ذمتان الأولى وهي: الصدق والعهد والأمان والحرمة والحق وحي هلا بهـذه الاخلاق الكريمة اما الذمة الثانية فهي الضد منها وهي ذمة لا يرضى بها المسلم العربي الحر، وبما اني لا اعرف الف السياسة من بائها وبالكاد افك الخط بها، اترك السياسة لاهلها مؤمنا بالمثل القائل: «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه» وقد تواترت الاخبار يسابق بعضها بعضا ان ذمة العهد والصدق نقلت على وجه السرعة إلى العناية الفائقة وهي في غيبوبة وقد وصلت إلى مرحلة الخطر وربما تكون عند كتابة هذه السطور قد ماتت سريريا ولا شفاء لها إلا بمعجزة فعجوا ولجوا بالدعاء لها عل وعسى ان تحدث المعجزة الالهية وتعود إلى ما كانت عليه.
يروى والعهدة على من روى ان السمؤال بن عاديا. وقيل «السمؤال بن غريض بن عادياء» كان أوفى العرب ذمة هو يهودي الديانة، لا بأس في ذلك فالمؤمن لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره اقرأوا الاية 285 من سورة البقرة ان شئتم والسمؤال هذا «أزدي» القبيلة وهو شاعر من اشهر شعراء الجاهلية، واسمه «عبري» معرب مأخوذ من شموئيل أو صموئيل وهي تعني الظل واما شموئيل فتعني اسم الله والسمؤال صاحب حصن الابلق في تيماء ذكره ابن سلام الجمحي ضمن فحول شعراء يهود الثمانية وهو شاعر وأبوه شاعر وأخوه سعية شاعر عاش في النصف الأول من القرن السادس الميلادي منتقلا بين خيبر وتيماء في المملكة العربية السعودية ومن قصص وفائه بذمته النادرة مجيء امرئ القيس الكندي الملك الضليل له في حصنه، وتركه اهله وسلاحه امانة عنده ومن بين اسلحته دروع ليس لها نظير كانت ملوك كندة يتوارثونها ملكا على ملك ترك امرئ القيس امانته عند السمؤال وتوجه إلى الاستانة «اسطنبول اليوم» وهي عاصمة هرقل الروم آنذاك وبعد فترة وجيزة طوق الحارث ابن ابي شمر ملك غسان وعرب الشام حصن السمؤال وفي رواية اخرى الحارث بن مرة فناداه السمؤال وسأله ماذا يريد منه؟ فقال: سلاح امرئ القيس فرفض ان يسلمه وقال: «هي أمانة ولا أخفر ذمتي وأخون امانتي» فظل الحارث محاصرا الحصن وبينما هو كذلك اذا بابن للسمؤال عائدا من رحلة صيد فقبض عليه ونادى السمؤال ابنك معي، اما تسلمني سلاح امرئ القيس واما اقتل ابنك» فرفض السمؤال رفضا قاطعا، واختار الوفاء بذمته على حياة ابنه فقتله على مرأى ومسمع منه وظل محاصرا الحصن حتى مل، فعاد من حيث اتى فقال السمؤال.
وفيت بأدرع الكندي اني
اذا ما خان اقوام وفيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا
وعينا كلما شئت ارتويت
وأوصى عاديا قدما بأن لا
تهدم يا سمؤال ما بنيت
وبذلك يكون السمؤال أوفى العرب ذمة، وقد ذكر الاعشى ميمون بن قيس ذلك وامتدحه بأبيات منها:
«كن كالسمؤال اذا طاف الهمام به
في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله
حصن حصين وجار غير غدار
اذ سامه خطتي حسف فقال له
قل ما تشاء فأني مانع جاري
فقال: ثكل وغدر انت بينهما
فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له
اقتل اسيرك اني مانع جاري
والسؤال اين وفاء الماضي من وفاء الحاضر وهل الناس أصبحت بلا ذمم؟
الاجابة عندكم. اكتفى بهذا القدر..  دمتم سالمين وفي أمان الله.

الجمعة, 14 يوليو 2017

حادي العيس

هذا البيت من الأبيات الجميلة ولجمالها وروعتها غناها عشرات المطربين في الماضي والحاضر وهي تصور القافلة خلال استعدادها للرحيل حيث تناخ الإبل وتحمل النساء ومن ثم تنطلق قبيل ظهور الفجر وغالبا ما تسير القوافل في هذا الوقت المبكر حيث لا حركه ولا ضجيج.
وبالنظر إلى المعاني الواردة في البيت فمعنى أناخوا: أبركوا أي أجلسوا الإبل وهي جمع المفرد منها: أناخ وهذه الكلمة خاصة بالإبل والجمل لا يجلس إلا بالأمر أما «عيسهم» فهي جمع المفرد منها: أعيس وعيساء وهي كرائم الإبل وأفضلها هذا النوع من الإبل «العيس» لونه بين البياض والشقرة أما كلمة الدمى فهي جمع دمية وكلمة الدمى تعني الجمال الرائع شبه بالتمثال الصغير الذي يضرب المثل بحسنه وجماله وقد ذكر العيس الكثير من الشعراء ومنهم محي الدين بن عربي «558- 638هـ»:
يا حادي العيس بلسع عرج
وقف على البانة بالمدرج
ونادهم مستعطفا مستلطفا
يا سادتي هل عندكم من فرج
وفي العيس ايضا يقول عبدالغني بن إسماعيل النابلسي 1050هـ -1134هـ:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول
ومن قصة البيت عنوان الموضوع أن العلامة ابن المبرد صاحب كتاب الكامل في اللغة «محمد بن يزيد 285هـ» قال: دخلت دير هرقل في رفقة لي «دير يقع بين طريق واسط وبغداد» ورأيت شاباً جميلاً نظيفاً فاقتربت منه فما أن رآني حتى قال:
عرضت نفسي على البلاء لقد
أسرع في مهجتي وكبدي
يا حسرة إذا أبيت معتقلا
بين اختلاع الهموم والسهد
فقلت: أحسنت والله زدنا فقال:
إن فتشوني فمحرق الكبد
أو كشفوني فناحل الجسد
أضعف مابي وزادني ألما
أن لست أشكو النوى إلى احد
فقلت وقد أعجبني: أحسنت زدني فقال: اراك كلما أنشدتك قلت زدني!! وما ذاك إلا لمفارقة حبيب وأحسبك أبا العباس المبرد فبالله أأنت هو؟ قلت: نعم أنا هو, فقال: أنشدني من شعرك شيئا تنتعش به روحي «ذكر في عدة روايات أن المنشد هو المجنون نفسه» فأنشدته من شعري:
بكيت حتى بكى من رحمتي الطللّ
ومن بكاي بكت أعداي إذ رحلوا
يا منزل الحي أين الحي قد نزلوا
نفسي تساق إذا ما سيقت الإبل
أنعم صباحا سقاك الله من طللّ
غيثا وجاد عليك الوابل الهطل
سقيا لعهدهم والدار جامعة
والشمل ملتئم والحبل متصل
فطالما قد نعمنا والحبيب بها
والدهر يسعد والواشون قد غفلوا
قد غيّر الدهر ما قد كنت أعرفه
والدهر ذا دول بالناس ينتقل
بانوا فبان الذي قد كنت امله
والبين أعظم ما يبُلى به الرجل
فالشمل مفترق والقلب محترق
والدمع منسكب والركب مرتحل
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم
وحملوها وسارت بالدمى الإبل
يا حادي العيس مهلا كي نودعهم
رفقا قليلا ففي توديعها الأجل
زاد على هذه الأبيات الرواة كثير من الأبيات منها:
ياراهب الدير بالإنجيل تخبرني
عن البدور اللواتي ها هنا نزلوا
فحنّ لي وبكى وأنّ لي وشكى
وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل
شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا راهب الدير هل مرت بك الإبل
إن البدور اللواتي جئت تطلبها
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا
في أبيات أخرى يقول أبو العباس بن المبرد: ثم أكملت أبياتي للمجنون فقلت: أنّي وحقك لا أنسى مودتهم
ياليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟
فقال المجنون: ما فعلوا؟ قلت: ماتوا!! فصاح صيحة عظيمة وخرّ مغشيا عليه فحركته فإذا هو قد فارق الحياة وابن المبرد هذا من كبار عملاء عصره في المئة الثانية من دولة بني العباس وسمي بالمبرد لحسن وجهه وقيل: لدقته وحسن جوابه ولد في البصرة عام 210هـ وتوفي في بغداد عام 285هـ واسمه: محمد بن يزيد كان بحراً في البلاغة والنحو والنقد, إمام عصره بعد وفاة المازني «أبو عثمان بكر بن محمد ت 154هـ» له العديد من المؤلفات الهامة منها «الكامل في اللغة والأدب» وهو من الكتب الرائدة في الأدب ولا يستغني عنه باحث في هذا الفن وكتاب شرح لاميّة العرب والمقتضب وكتاب: ما أتفق لفظه واختلف معناه في القرآن الكريم, التعازي والمراثي, الروضة, المذكر والمؤنث وغيرها من الكتب النافعة وفيه يقول البحتري «ت284هـ»:
ما نال ما نال الأمير محمد
إلا بيمن محمد بن يزيد
وبنو ثمالة أنجم مسعودة
فعليك ضوء الكوكب المسعود
دمتم سالمين وفي أمان الله.

سؤال يطرح نفسه: من منا يحب البخيل؟ أما عن نفسي فلا احبه ولا اطيق رؤية وجهه، لا يحب البخيل إلا بخيل مثله، لان الطيور على اشكالها تقع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» صحيح البخاري.
والبخل كمفهوم عام الضد من الكرم والجود، اما البخل عند شعراء الحب والغزل فهو مختلف عن الضن بالمال وله انواع منها: البخل في النظرات والبخل في السلام، والبخل في النظر والبخل في الوصل وغيره.
ومن ذلك ما قاله عبدالله بن أسعد المعروف بابن الدهان حيث يقول:
قل للبخيلة في السلام تورعا
كيف استبحت دمي ولم تتورعي؟
وزعمت ان تصلي لعام قابل
هيهات ان ابقي الى ان ترجعي
ابديعة الحسن التي في وجهها
دون الوجوه عناية للمبدع
ما كان ضرك لو غمزت بحاجب
يوم التفرق او اشرت بأصبع
فتيقني اني بحبك مغرم
ثم اصنعي ما شئت بي ان تصنعي
واشار ابن الدهان الى ان نفس المعنى في قصيدة اخرى، وواضح ان هذا الشاعر لا حظ له مع محبوبته على الاطلاق:
رشأ بخيل بالسلام احبه
ومن العجائب ان يحب بخيل
وهي أبيات جميلة يقول في بعضها:
ألقاك كي أشكو فأسكت هيبة
وأقول ان عدنا فسوف أقول
وأغار أن يأتي اليك بقصتي
غيري ولو ان الرياح رسول
هل عند معتدل القوام لعاشق
عدل وهل عند الجميل جميل
وابن الدهان مولود في الموصل سنة 521 هـ، وفيها درس وتعلم، وكان خليفة بغداد حين ولادته المسترشد بالله أبو منصور، الفضل بن احمد المستظهر «512-529هـ» عرف هذا الشاعر باللغة والادب، عانى في شبيبته من الفقر رغم علاقته بفقيه الموصل وقاضي دمشق فيما بعد شرف الدين عبدالله بن ابي عصرون، 492 – 585 هـ، وكان يسافر معه الى دمشق، ولما ضاقت الحال بابن الدهان سافر الى مصر ولم يستطع ان يصطحب زوجته معه، فكتب للشريف ضياء الدين ابي عبدالله زيد بن محمد نقيب العلويين بالموصل يوصيه بها وضمن رسالته ابياتا يستعطفه بها يقول واصفا حاله وزوجته:
وذات شجو أسال البين عبرتها
قامت تؤمل بالتفنيد امساكي
لجت فلما رأتني لا اصيخ لها
بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي
قالت وقد رأت الاجمال محدجة
والبين قد جمع المشكو والشاكي
من لي اذا غبت في ذا العام قلت لها
الله وابن عبيد الله مولاك
فتكتفل الشريف لزوجته بكل ما تحتاجه وسافر ابن الدهان الى مصربقصد لقاء وزيرها «طلائع بن رزيك» ومدحه بأبيات منها:
لا تتركني وما أملت من سفري
سوال اقفل نحو الاهل صعلوكا
أرى السباخ لها ري وقد رضيت
منك الرياض مساواة وتشريكا
فأعطاه الوزير جائزة سنية، ثم تتابعت عطاياه لابن الدهان، حتى اثرى فغادر مصر قبل مقتل هذا الوزير، وتوجه الى الشام ايام نور الدين زنكي، ثم بعد سقوط الدولة الفاطمية اتصل بالسلطان صلاح الدين الايوبي، قال في حق هذا الشاعر «ابن خلكان»:شاعر يتميز شعره بالسهولة والوضوح وعدم التكلف، برع في الرثاء والفخر والشكوى والغزل، وكان هم الغربة والبعد عن الأوطان حاضرا في اشعاره، وهو القائل البيت السائر:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم
والشعر مازال عند الترك متروكا
دخل ابن الدهان يوما على نور الدين زنكي فسأله: كيف اصبحت؟ فقال: كما لا يريده الله ولا رسوله ولا انت ولا انا ولا القاضي ابن عصرون!! فقال له كيف؟ قال: لأن الله يريد مني الاعراض عن الدنيا، والاقبال على الآخرة ولست كذلك، وأما رسوله صلی الله عليه وسلم، فإنه يريد مني ما يريد الله مني، ولست كذلك، وأما انت فتريد مني ان لا اسألك شيئا من الدنيا ولست كذلك، واما انا فإنني اريد لنفسي ان اكون اسعد الناس ولي الدنيا بأسرها ولست كذلك، واما ابن عصرون فيريد مني ان اكون مقطعا اربا، اربا ولست كذلك، فكيف يكون من اصبح لا كما يريد الله تعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سلطانه ولا نفسه ولا صديقه ولا عدوه؟! فضحك نور الدين وامر له بصلة.
توفي ابن اسعد الموصلي الحمصي سنة 581 على الارجح، اما الوزير «طلائع بن رزيك» الذي ورد ذكره، فهو ابو الغارات الملك الصالح المولود سنة 495 هـ، ويعد من كبار رجال الدولة الفاطمية آخر عهدها، تولى في بدايته منية ابي الخصيب في صعيد مصر، ثم بعد مقتل الظافر بأمر الله الفاطمي تولى الوزارة وقتل الوزير المتهم بقتل الظافر «ابو الفتوح عباس الصنهاجي» ثم ساءت علاقته بالبلاط الفاطمي، وبعد وفاة الفائز الفاطمي الذي تولى بعد ابيه الظافر، بويع العاضد عبدالله بتدبيره، واستطاع البلاط الفاطمي والحاشية قتل الوزير طلائع سنة 556 هـ، ويعد هذا الوزير من الادباء والشعراء، وهو ملم بفنون العلم، كريما شجاعا له اشعار في الفخر والمدح والحماسة والاخوانيات وله غزل عذب، ومن محاسن شعره وقوله في الشيب:
مشيبك قد نضا صبغ الشباب
وحل الباز في وكر الغراب
تنام ومقلة الحدثان يقظى
وما ناب النوائب عنك ناب
وكيف بقاء عمرك وهو كنز
وقد انفقت منه بلا حساب
أكتفي بهذا القدر،، دمتم سالمين، وفي أمان الله.

أغلب شعراء الغزل يشبهون المحبوب بالبدر، كناية عن جماله، والبدر هو القمر عند اكتماله وسمي بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع، ولتمامه وليلة البدر هي ليلة الرابع عشر في الشهور القمرية لذلك نرى صاحب هذا البيت الجميل يذكر ان محبوبه اخو البدر سناء وسنا، أما السناء فهو البرق والضوء الساطع والعلو والارتفاع، وأما السنا فهو الشرف ولا يختلف عن معنى السناء كثيرا يقول المولى عز وجل: «يكاد سنا برقه يذهب بالابصار» النور - 43، فمن خاطفة الابصار هذه؟ ومن هو صاحب هذا البيت؟ أما الشاعر فهو «أبوالوليد» احمد بن عبدالله بن زيدون المخزومي الوزير والأديب والشاعر المشهور في الأندلس «394 - 463 هـ» واما خاطفة الابصار فهي ولادة بنت محمد المستكفي بالله بن عبدالرحمن بن عبيدالله بن عبدالرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضا بن عبدالملك بن مروان أمها جارية اسبانية اسمها «سكرى» وقصة حب ابن زيدون لولادة معروفة، بنيت عليها كثير من قصص الحب يقول ابن زيدون:
ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن
زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنا
حفظ الله زمانا أطلعك
أما الأميرة ولادة فبعد مقتل ابيها الخليفة المستكفي جعلت من دارها ملتقى لرجال الشعر والأدب واتصلت بابن زيدون واحبته الا ان عمر هذا الحب كان قصيرا لأن ابن زيدون لم يكن صادقا في حبه لها كما رجحت بعض المصادر رغم ان قصائده فيها تنم عن حب كبير لذلك تقول ولادة له وقد اكتشفت انه تعلق بجارية لها سوداء مغنية:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله
وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأننى بدر السما
لكن دهيت لشقوتي بالمشتري
واليها اشار ابن زيدون في نونيته المشهورة التي يقول فيها:
أضحى التنائي بديلا عن تدانينا
وطاب عن طيب لقيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح البين صبحنا
حين فقام بنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم
حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي مازال يضحكنا
انسا بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا
بأن تغص فقال الدهر: أمينا
فانحل ما كان معقودا بأنفسنا
وأنبت ما كان موصولا بأيدينا
وقد نكون ما يخشى تفرقنا
فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت
سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
يعتبر ابن زيدون من اشهر شعراء الاندلس اولي الذكر النابه والشهرة الواسعة، ولد في قرطبة، وأبوه القاضي عبدالله بن احمد بن غالب بن زيدون «354 - 405 هـ» ساعد ابنه على تعلم الادب والعلم، عرف ابن زيدون بالذكاء والفطنة والالمام بجميع العلوم ثم اصبح بعد ذلك من اشهر شعراء الاندلس وكان ظهور نجمه مع افول شمس الخلافة الاموية بالأندلس اصبح وزيرا «لابن جهور» وهو دون الثلاثين من عمره وهذا دليل على نباهته ثم سجن بعد ذلك بتهمة السعي لاعادة الدولة الاموية بسعي عدو له يدعى «ابن عبدوس» ثم هرب من سجنه وتوارى عن الانظار وبعد وفاة ابوالحزم بن جهور وتولي ابنه زمام الامور في قرطبة «ابوالوليد محمد» اعيد للوزارة مرة ثانية ومع ذلك عاد حساده الى السعي في عزله ففر من قرطبة وجال اقطار الاندلس حتى استقر في اشبيلية عند بني عباد ايام المعتضد بن عباد عام 441 هـ، فأدناه المعتضد وقربه وجعله نديما له ثم عاد ابن زيدون الى مسقط رأسه قرطبة بعد استيلاء ابن عباد عليها وظل بها الى ان وافته المنية غرة رجب 463 هـ، اما الاميرة ولادة فكانت في المغرب اشبه ما تكون بسيرة عليه بنت المهدي اخت هارون الرشيد في المشرق، وقد خطت على ثوبها بيتين من الشعر هما:
انا والله اصلح للمعالي
وأمشي مشيتي واتيها تيها
أمكن عاشقي من صحن خدي
واعطي قبلتي من يشتهيها
ومن اجمل ما قاله ابن زيدون لها قوله:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع
سرا اذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت
لي الحياة بحظي منه لم ابع
يكفيك انك لو حملت قلبي ما
لم تستطعه قلوب الناس يستطع
ته، احتمل، واستطل، اصبر وعز أهن... وول، أقبل، وقل أسمع ومر اطع.
عاشت ولادة فوق الثمانين عاما ولم تتزوج قط، وكانت تلقب فراشة العصر الاموي وقد توفيت عام 1091م.
ربما اراد البعض معرفة ملوك الاندلس الامويين، سلالة مروان بن الحكم بن ابي العاص بن امية الذين حكموا منذ عام 138هـ الى عام 422 هـ وهم:
1 - ابوالمطرف وابوسليمان، صقر قريش عبدالرحمن الاول «الداخل» 138 - 172هـ.
2 - ابوالوليد هشام «الرضا» بن عبدالرحمن
172 - 180 هـ.
3 - ابوالعاص الحكم «الربضي» بن هشام
180 - 206 هـ.
4 - عبدالرحمن الثاني «الأوسط» بن الحكم
206 - 238 هـ.
5 - محمد الاول بن عبدالرحمن الثاني الاوسط
238 - 273 هـ.
6 - المنذر بن محمد الأول 273 - 275هـ.
7 - عبدالله بن محمد 275 - 300 هـ.
8 - عبدالرحمن الناصر بن محمد أول من نودي بأمير المؤمنين بالأندلس 300 - 350 هـ.
9 - الحكم الثاني المستنصر بالله بن عبدالرحمن الثالث الناصر 350 - 366 هـ.
10 - هشام الثاني المؤيد بالله بن الحكم
366 - 399هـ.
ثم أفل نجم خلافة الأمويين بالأندلس وجاء ثمانية خلفاء لا حول لهم ولاقوة هم المهدي بالله محمد، المستعين بالله سليمان، المؤيد بالله هشام، المرتضى بالله عبدالرحمن، المستظهر بالله عبدالرحمن، المستكفي بالله محمد، واخرهم المعتد بالله هشام 422 هـ.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

هذا الشاعر يعاني لواعج الحب والغرام، حاله كحال غيره من الشعراء الذين اتلفهم الهوى لذلك نجده يقول:
سلوا فاتر الأجفان عن كبدي الحرا
وعن در أجفاني سلوا العقد والنحرا
لا شك انه وصل الى حالة يرثى لها، ولاحظ عليه اصحابه ذلك، وسألوه عن السبب!! فقال لهم: ان اردتم معرفة سبب تردي حالتي، فعليكم ان تسألوا «فاتر الأجفان» صاحب الطرف الساكن المنكسر ذا النظر الضعيف، صاحب هذه الأجفان الفاترة جعل كبدي حرا، مفجوعة حزينة شديدة العطش، هذا ما قاله في شطره الاول، ثم يقول هذا العاشق المدنف (وعن در أجفاني سلوا العقد والنحرا) ويذكر ان سبب ليونة أجفانه وارتخائها كثرة تساقط دموعه، وبكاؤه حتى ان دموعه ملأت اعلى صدره وموضع القلادة منه حين عانقها عناق الوداع، هذا البيت الجميل ضمن ابيات معروفة غناها عدد من مطربي الماضي «صوت عربي» صاحب هذه الابيات شاعر شامي لقبه ابن مليك الحموي، نسبة الى مدينة حماة السورية واسم هذا الشاعر علاء الدين ابو الحسن علي بن محمد بن علي بن عبدالله الفقاعي المولود في حماة سنة 840 هـ، درس الأدب عن الفخر عثمان بن العبد التنوخي، واخذ النحو والعروض عن بهاء الدين بن سالم، ثم ترك حماة وذهب الى دمشق،وتكسب مدة ببيع الفقاع، ومن هنا جاء لقبه الفقاعي، (الفقاع بضم الفاء وتشديد القاف، وهو شراب يتخذ من الثمار ومن الشعير فيكون على سطحه فقاقيع) ثم طاف ابن مليك في الشام، وهو صاحب الأبيات المشهورة المغناة التي يقول فيها:
فؤاد بذكر العامرية مغرم
وصب هواه في الضلوع مخيم
وبرق سرى وهنا بأكناف بارق
ام الثغر من ليلى غدا يتبسم
تراءت فكلي ناظر لجمالها
ومالت وكلي في هواها متيم
لئن ملت يوما عن هواها لغيرها
فلا صدق الواشي بما كان يزعم
ولم انس اذ ودعتها ومدامعي
عقود غدت في جيدها تتنظم
وسارت وقد اومت لنحوي بطرفها
وصارت باطراف البنان تسلم
وقالت ربيع بيننا الحل ملتقى
فقلت لها بل ملتقانا المحرم
وبانت على عيس لها وترحلت
وعندي المقيمان الاسى والتندم
وقد عجت بالاطلال والدمع سائل
عسى خبر عن اهلها اين يمموا
اسائل عنهم كلما هبت الصبا
واخبارهم من عرفها اتنسم
ومن عجب عنهم اروح مسائلا
وبين ضلوعي قد اقاموا وخيموا
يعد ابن مليك الحموي من شعراء العصر المملوكي وبيته المشار اليه في البداية، ضمن قصيدة يقول في بعض ابياتها رحمه الله تعالى:
سلوا فاتر الأجفان عن كبدي الحرا
وعن در أجفاني سلوا العقد والنحرا
حبيب إذا ما رمت عنه تصبرا
يقول الهوى لن تستطيع معي صبرا
من السمر بالألحاظ إن صال وانثنى
فلا تذكروا من بعده البيض والسمرا
بخيلا غدا بالوصل ما جاء سائلا
له الدمع الا رد سائله نهرا
له مقلة يعزى لبابل سحرها
كأن بها هاروت قد اودع السحرا
يذكرني عهد النجاشي خاله
واجفانه الوسنى تذكرني كسرى
تميل به خمر الدلال كأنما
معاطفه من خمر الحاظه سكرى
يرنحه لطف النسيم اذا سرى
ويهدي لنا من طي ايراده نشرا
ويفتر عن ثغر تنظم دره
فلم ادر عقدا مذ تبسم ام ثغرا
بخديه رحان العذار مسلسل
كأن بها قد خط ياقوته سطرا
تراءى وبدر التم في الافق طالع
فلم ادر مذ شاهدت ايهما البدرا
زار ابن مليك مصر، وكان له مشاركة في اللغة والادب والنحو والصرف، عارفا بكلام العرب،ملما بالحديث الشريف والفقه وهذا واضح في قصائده، وهو من الشعراء المجيدين في عصره مكثرا رقيق المعاني صاحب بديهة، فطناً ذكياً فصيح العبارات، سهل التراكيب كثير الصناعة اللفظية ويظهر من خلال أشعاره تأثره بأسلوب ابي تمام والمتنبي وابن الفارض، اما فنونه فمنها البديعيات والمدح والرثاء، وأوسع فنونه الغزل وهو القائل تخميس للقصيدة المنفرجة، «اشتدي أزمة تنفرجي» يقول فيها:
ناديت وصبحي لم يعج
اشتدي ازمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
ثم اشتدت وعلا رهج
ودجا ما كان به بلج
فاصبر فالضيق له فرج
وظلام الليل له سرج
حتى يغشاه ابو السرج
والأصل أبيات ابن النحوي الأندلسي يقول في بعضها:
والخلق جميعا في يدهِ
فذوو سَعَةٍ وذوو حَرَجِ .
ونزولهمُ و طُلوعُهُمُ
فإلي دركٍ وعلى درجِ
ومعايشهم وعواقبهم
ليست في المشي على عِوَجِ
حِكَمٌ نُسِجَتْ بيدٍ حُكِمَتْ
ثم انتسجت بالمنتسج
فإذا اقتصدت ثم انعرجت
فبمقتصد وبمنعرج
شهدت بعجائبها حُجَج
قامت بالأمر على الحُجَجِ
توفي ابن مليك الحموي في دمشق سنة 917 هـ اما الشاعر الذي ذكرته ابن النحوي صاحب القصيدة المنفرجة، فهو يوسف بن محمد بن يوسف ابو الفضل عرف بالتوزري نسبة الى توزر مسقط رأسه في الجنوب التونسي، ولد سنة 433 هـ وتوفي 513 هـ، عاش عصر المرابطين، كان هذا الرجل صالحاً من اهل العلم والفضل، شديد الخوف من الله تعالى، مجاب الدعوة حاضراً مع الله في غالب امره، ذكر ذلك علماء عصره مثل ابو العباس الغبريني والقاضي ابوعبدالله بن علي بن حماد وغيرهم.
اكتفي بهذا القدر..
ودمتم سالمين وفي أمان الله

الخميس, 06 يوليو 2017

أغثني يا فداك أبي وأمي

الإغاثة تعني المساعدة والإعانة والانقاذ وطلب العون لحادث جلل على وجه السرعة، اما اذا كان من يقول أغثني شاعر أمام خليفة فالأمر مختلف، انظروا الى بيت الشعر وتأملوه قليلا لتعرفوا ان هذا الشاعر استخدم كلمة أغثني للاستجداء الصريح، والشعراء في ذلك الوقت لا يرون عيباً في طلب الجوائز من الخلفاء، بل يتنافسون على أيهم يحصل على الجائزة الأكبر، لذا باشر الشاعر الخليفة في هذا البيت بطلب المال على مرأى ومسمع من الحاضرين:
أغثني يا فداك أبي وأمي
بسيب منك إنك ذو ارتياح
فدى الخليفة بأبيه وأمه ليحصل على نواله وعطائه، لا ضرر ولا ضرار هو أمام خليفة من أعظم الخلفاء يعطي من يشاء كيفما يشاء عبدالملك بن مروان خامس خلفاء الدولة الأموية وأكثرهم شهرة، والشاعر جرير بن عطية فحل شعراء عصره والمقدم عليهم بكل فنون الشعر، لم يكن عبدالملك يعرف جرير قبل هذه المرة، ولم يره قط، بعث به واليه على العراق الحجاج بن يوسف اليه، وقد تفاجأ بقول جرير له في بداية هذه القصيدة الرائعة:
اتصحوا أم فؤادك غير صاح
عشية هم صحبك بالرواح
فقال له عبدالملك: بل فؤادك!! ولم يكن جرير يقصد عبدالملك وانما قصد نفسه، ثم اكمل قائلاً:
يقول العاذلات علاك شيب
أهذا الشيب يمنعني مراحي
ثم يستمر في انشاده حتى وصل الى ذروة المديح، قال بيتا اصبح فيما بعد افضل بيت قاله شاعر في الثناء حيث يقول:
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
فاستوى عبدالملك جالسا وقد اعجبه هذا البيت، واشار الى من حوله وقال: من أراد ان يمدحنا فليمدحنا بمثل هذا، واكمل جرير قائلاً:
تعزت أم حرزة ثم قالت
رأيت الواردين ذوي امتياح
تعلل وهي ساغبة بنيها
بأنفاس من الشبم القراح
فقال له عبدالملك: يا ابن المراغة، أترى ام حرزة يرويها مئة ناقة من نعم بني كلب؟
قال: يا أمير المؤمنين، ان لم تروها فلا أرواها الله تعالى، فأمر له بها، فقال جرير:
يا أمير المؤمنين، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل على راحلته، والإبل أباق، فلو أمرت لي بالرعاء، فأمر له بثمانية، وكان بين يديه صحاف من ذهب، فقال جرير: والمحلب؟
واشار الى احدى الصحاف؟ فنبذها له وقال: خذها لا انتفعت بها، وفي ذلك يقول جرير:
أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية
ما في عطائهم من ولا سرف
يعلم الجميع ما كان بين جرير والفرزدق من مهاجاة، فكانا كفرسي رهان، ولما مات الفرزدق همام بن غالب، وبلغ خبره جريرا بكى وقال: أما والله اني لاعلم اني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحدا، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق الا وتبعه صاحبه، وكذلك كان الأمر، وأشد ما هجا به الفرزدق على الاطلاق ابياته الميمية التي يقول في بعضها:
لقد ولدت أم الفرزدق فاجرا
وما كان جار للفرزدق مسلم
وما كان جار للفرزدق مسلم
ليأمن قردا ليله غير نائم
يوصل حبليه اذا جن ليله
ليرقى الى جاراته بالسلالم
اتيت حدود الله مذ انت يافع
وشبت وما ينهاك شيب اللهازم
زار جرير المدينة المنورة فاحتفل به الناس، وكانوا يجلسون اليه وينشدهم اشعاره، وهم يسألونه ومعهم اشعب الطمع، فذهب الناس وظل اشعب جالسا، فنظر اليه جرير بغضب وقال: أراك اقبحهم صورة وألأمهم حسبا!! فما جلوسك عندي وقد ذهب الناس؟ فقال أشعب: يا أبا حرزة، انا انفعهم لك، قال: كيف ويحك؟ قال: اني لأملح شعرك، ثم اندفع يغنيه قوله:
يا أخت ناجية السلام عليكم
قبل الفراق وقبل لوم العذل
لو كنت اعلم ان آخر عهدكم
يوم الفراق ما لم افعل
فبكى جرير وجعل يزحف حتى الصق ركبته بركبة اشعب، وطلب منه ان يعيد غناءه، فأعاد اشعب الغناء وجرير يبكي حتى اخضلت لحيته، ثم وهب لاشعب دراهم وكساه وحلة من حلل الملوك، ثم كان بعد ذلك يرسل اليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه اشعب ويعطيه، وكان اشعب من اجمل الناس صوتا، وهذه الأبيات يقول فيها جرير:
لمن الديار كأنها لم تحلل
بين الكناس وبين طلح الأعزل
ولقد أرى بك والجديد الى بلى
موت الهوى وشفاء عين المجتلي
ومن أجمل المراثي رثاؤه لابنه حيث يقول:
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم
كيف العزاء وقد فارقت اشبالي
اودى «سوادة»يجلو مقلتي لحم
باز يصرصر فوق المربأ العالي
قد كنت اعرفه مني اذا غلقت
رهن الجياد ومد الغاية الغالي
الا تكن لك في الديرين باكية
فرب باكية بالرمل معوال
فارقتني حين كف الدهر من بصري
وحين صرت كعظم الرمة البالي
وكان جرير قد هجا الأخطل بأبيات مشهورة واشار الى عبدالملك بن مروان حيث يقول:
ان الذي حرم المكارم تغلبا
جعل النبوة والخلافة فينا
مضر ابي وأبوالملوك فهل لكم
يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة
لو شئت ساقكم الي قطينا
فلما سمع عبدالملك البيت الأخير «لو شئت ساقكم الي قطينا»  قال: ما زاد ابن المراغة على ان جعلني شرطيا له!! أما إنه لو قال: «لو شاء ساقكم الي قطينا» لسقتهم اليه كما قال، قال أبوالفرج الأصفهاني، كانت وفاة جرير
سنة 111.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الصفحة 1 من 30