جريدة الشاهد اليومية

د.علي الزعبي

د.علي الزعبي

الخميس, 11 يناير 2018

شرف «ظل» الكويت

استغرب من بعض المثقفين الكويتيين تحسرهم على حبس الكويتي الذي يهاجم دولة من الدول الخليجية أو العربية، بسبب قضية رفعها شيخ من دولة أخرى أو سفارة ما على «تغريدة» كتبها هذا الكويتي، بينما من يهاجمنا من أفراد هذه الدولة الخليجية أو تلك لا يمكن مقاضاته في بلده كما هو الحال في الكويت. وحقيقة استغرابي الشديد هو تجاهلهم أن الكويت بلد قانون يحق لأي كائن كان أن يقاضي أي شخص على أراضيها طالما أن هناك شكوى ضده سواء إساءة أو تجريج أو خيانة امانة أو غيرها، بينما تفتقد الدول الاخرى هذه الميزة إذ ان اشكال التقاضي تكاد أن تكون معدومة.
وهذه نعمة علينا كشعب يخضع للقانون ويلتزم به، ونقمة على من لا يستطيع أن يقاضي الاخرين أو يدافع عن نفسه امام قضاء مستقل استقلالاً تاماً، بل إن مسألة اختفاء الاشخاص أو الزج بهم في السجن دون مسوغ قانوني واضح تعد من الامور المعدومة في الكويت، وهذا ولربي أمر نحسد عليه في محيطنا العربي والاقليمي. اما مسألة لماذا يحاسب الكويتي هنا على اساءة لرمز هناك، ولا يحاسب من  يسيئ لرموزنا هنا من قبل شعوب تلك الدول، فهو امر يجب أن يقرر من خلال «المؤسسة التشريعية» التي عليها أن تعد قانوناً واضح المعالم تجاه هذا الامر، كما أن على «السلطة التنفيذية» أن تكون واضحة في رسالتها للدول الاخرى في أن «التعدي» من قبل مواطنيهم على رموز البلد، والتسامح معه من قبل دولهم، سيعتبر اعتداء رسمياً وليس شخصياً كما تدعي تلك الدول، خاصة وأن الحرية الشخصية تكاد أن تكون شبه معدومة في هذه الدولة أو تلك.
شخصياً أرى بأن سيادة القانون ووضوح وتنوع اشكال التقاضي في الكويت، وإن كانت نتائجه السجن أو الغرامة المالية، أفضل مليون مرة من «الفوضى» وضبابية القرارات ومزاجيتها كما في الدول الاخرى، وإن كنت شخصيا ضد سجن أي كويتي بسبب رأي واضح المعالم، ودون شتائم غير اخلاقية. أما من يريد أن يعيش تحت ظل هذا الشيخ الخليجي أو ذاك الامير الخليجي أو ذلك التاجر العربي، فله مطلق الحرية باختيار «الظل» الذي يرغب به، لأن «ظل الكويت» اشرف وأنبل وأرقى وأكرم وأعلى مكانة منه وممن على شاكلته. والله من وراء القصد.

انتهى العرس الخليجي رقم 23، والذي بدأ بكل جمال وانتهى بجمال أكثر عندما تم تتويج الفريق العماني الشقيق بكأس البطولة بعد فوزه على فريق الشقيقة الامارات.  فإذا كنا نقول للشعب العماني مبروك وللشعب الاماراتي هاردلك، فإننا لا ننسى أن نقدم الشكر، كل الشكر، لسيدي صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح «حفظه الله ورعاه» والذي لولاه لما عقد هذا العرس الخليجي، ولما حصل هذا المهرجان الخليجي على النجاح الباهر، وفعلا يمكننا القول: ما خاب موقف أو مؤتمر أو مهرجان يقف خلفه أبو ناصر أمد الله بعمره ومنحه وافر الصحة، فهو القائد الذي لا يكل ولا يمل من تقديم كل جيد وجديد لشعبه الكويتي ولامته العربية والاسلامية.
لقد أتى اليمنيون، والسعوديون، والقطريون، والاماراتيون، والعراقيون، والعمانيون، والبحرينيون إلى بلدهم الثاني الكويت، وقضت فرقهم وجماهيرهم أياماً سعيدة وجميلة بين اهلهم شعب الكويت المضياف، واستمتعوا بالاجواء المميزة التي رافقت بطولة خليجي 23، وبالفعل كانت الجماهير الوافدة للكويت من دول الخليج جماهيراً راقية عكست قيم الاخاء والمحبة، وقدمت نماذج طيبة للتنافس الكروي الذي لم يخرج عن نطاق الاخوة والمحبة، ولعل أهم تلك الصورة التي لا تزال عالقة بالذهن قيام الجمهور السعودي بتنظيف المدرجات الخاصة به بعد انتهاء مباراة فريقه في أول يوم من البطولة، واخيرا شاهدنا في المباراة النهائية كيف أن الجمهور العماني والجمهور الاماراتي قاما بتقديم التحية لبعضهما البعض وسط تصفيق حاد من الجماهير التي كانت في الملعب. كما أن رجال الامن لم يسجلوا أبدا ولا قضية مشاجرة فيما بين الجماهير سواء الكويتية أو الخليجية الاخرى، وهو ما يدل على أن الوعي الجماهيري، ورغم المنافسة الشديدة بينها، قد فاق حد التوقع.
كما أن علينا أن نشكر اللجنة المنظمة بكل افرادها على ما قاموا به من جهد كبير في نجاح هذه التظاهرة الرياضة، كما نخص رجال الداخلية الذين كان لهم الفضل الكبير بعد الله سبحانه وتعالى في المحافظة على أرواح الجماهير من خلال التنظيم الجيد.  ولا ننسى ايضا دور الإعلاميين الكويتيين والخليجيين الذين نقلوا وحللوا بمهنية عالية هذه التظاهرة الرياضية المهمة.
شكرا للجميع، وشكرا مرة اخرى لقائد الانسانية ورجل السلام سيدي صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه.

الخميس, 04 يناير 2018

الشعب الإيراني ينتفض

يبدو أن الحراك الشعبي الإيراني هذه المرة غير، ويبدو أن الأوضاع ستؤدي –بشكل أو بآخر- إلى تغيير في تفكير النظام الحاكم في ايرانو سواء الحالي أو من سيخلفه، إن حدث تغيير ما. 
طبعا، نحن هنا أمام ثلاثة سيناريوهات: استمرار النظام الديني الحالي من دون تغييرات مهمة مع استمرار حالة الاضطراب السياسي في البلد، وهي حالة مرهقة اقتصاديا وسياسيا للدولة، أو استمرار النظام الديني مع تغييرات جذرية في الوجوه المسيطرة على صنع القرار، مع تبني سياسات اقتصادية وسياسية أكثر مرونة وأكثر تأثيراً في تحسين معيشة الإيرانيين، أو تغيير النظام جذريا بنظام آخر ذي طبيعة مدنية وليست دينية.
وبطبيعة الحال تبقى هذه الأمور رهينة لطبيعة تطور الحراك في الشارع الإيراني.  ولكن، ما هو واضح للعيان أن الحراك الشعبي الحالي هو حراك مناهض للسياسات الاقتصادية والتنموية للحكومة الدينية التي انهكت الشعب بالفقر والعوز والفاقة من خلال التركيز على الخارج واهمام الداخل.
هذا الحراك ميزته أنه غير طائفي أو عرقي، لأنه ولأول مرة في تاريخ إيران المعاصر «ايران الخميني» تحدث ثورة شعبية تضم جميع المذاهب والطوائف والأعراق والأديان التي تقطن المدن الإيرانية في المحيط الجغرافي الإيراني.  وهي تختلف تماما عن تلك التي حدثت في عام 2009، والتي كانت بين تيارين سياسيين «الإصلاحيين مقابل المتدينين»، وسببها كان يدور حول تزوير الانتخابات.
اليوم الأمر مختلف تماما، فنحن أمام وضع اقتصادي صعب جدا لم تستطع التعايش معه ليس فقط الطبقة الفقيرة، بل أيضا الطبقة الوسطى التي بدأت تتآكل تدريجيا وتحول أفرادها إلى وضع اقتصادي مزرٍ لا يمكن التعايش معه.
وحقيقة الأمر أن ما يحدث في إيران يعكس وضعا كانت له أمثلة عدة في التاريخ الإنساني، فكل المجتمعات التي حكمها رجال الدين، وراهنوا على أن العبادات والتحريم والمقدس في الإرث الديني قادر على السيطرة على حالة الناس وحكمهم بسهولة ... وهي مراهنة خاسرة، خصوصاً عندما يتم تجاهل «المتغير الاقتصادي» لصالح «المتغير الديني».
إن استقرار المجتمعات دائما ما يكون قويا وثابتا عندما يكون الوضع الاقتصادي جيداً وصحيا، والعكس صحيح تماما.

الأحد, 31 ديسمبر 2017

وداع عام واستقبال آخر

نودع العام 2017 بكل أفراحه وأتراحه، ونستقبل العام 2018 بكل ما يحمله من احداث ومفاجآت لا يعلمها سوى الله سبحانه وتعالى.  ولكن هناك من جميل الامور ما واكب 2017، وهناك احداث مؤلمة نسأل الله عز وجل أن يعيننا على تجاوزها في العام 2018.  ويمكننا، ومن الوهلة الاولى، أن نتذكر ما قام به صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح «حفظه الله ورعاه» في محاولة لرأب الصدع الخليجي، وقدرة سموه على تخفيف حدة الازمة التي كادت تعصف بمجلس التعاون الخليجي، متمنين لسموه التوفيق لإنهاء هذه الازمة في العام 2018، سائلين المولى عز وجل أن يزيل الغمة والتوتر عن دولنا الخليجية، وأن تسود الحكمة والعقلانية علاقات دولنا بعضها ببعض، وأن يدرك الجميع أن قوة الخليج هي بوحدة قوة علاقات دولة بعضها ببعض، وأن الفرقة والمخاصمة هي مصدر قلق للجميع.
من ناحية أخرى، نأمل أن يحمل لنا العام 2018 ما يمكنه أن يسر الخاطر ويزيل الهم عن مجتمعاتنا العربية، ولعل أهمها «القضية الفلسطينية» وما يحدث للشعب العربي الفلسطيني من اعتداءات وجرائم وحشية يقوم بها صهاينة اسرائيل.  ولكن كيف لقضيتنا الاولى والأهم –القضية الفلسطينية- ان تحل ونحن مشتتون ومتفرقون سواء على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو حتى الثقافية؟  إن تبني مشروع استراتيجي عربي واحد تجاه القضية الفلسطينية يعد امرا ضروريا حتى نستطيع على الاقل المساهمة في مساعدة الشعب العربي الفلسطيني في صراعه مع العدو الاسرائيلي.
هناك الكثير والكثير من الاماني والامنيات العامة منها والخاصة، والتي لا يمكن حصرها، ولكنني سأدعو الله عز وجل لي ولكم بأن يمنحنا جميعا الصحة والعافية والستر، وأن يوفقنا في اعمالنا، وأن يحمينا من شرور انفسنا، وكل عام وأنتم بألف خير.

الخميس, 28 ديسمبر 2017

ضرورة تنقيح الدستور

ماذا يحدث في البرلمان؟ لماذا لا توجد آليات سليمة للعمل الجماعي؟ لماذا تغلب النزعات الفردية على النزعات الجماعية؟ كل هذه الاسئلة مستحقة ويجب معالجتها لأن البلد لم يعد قادراً على تحمل هذه «الفوضى» البرلمانية «غير الخلاقة» ولأكون أكثر وضوحاً فإنه ومنذ بداية العمل البرلماني وحتى الآن، وهي فترة مليئة بالتعثرات والعثرات السياسية، يمكننا القول إن: العمل الفردي في السياسة دائما ما يكون هزيلا جدا في تحقيق الاصلاحات العامة للمجتمع .. وقوياً جدا في تحقيق المنافع الخاصة للأفراد والتي دائما ما تكون ضد مصالح البلاد والعباد.
في الوقت نفسه علينا أن ندرك  وبكل موضوعية أنه لا يمكننا الولوج الى المداخل الرئيسية لاصلاح اعوجاج العمل السياسي والاداري الا من خلال العمل السياسي القائم على الاحزاب الوطنية «غير الفئوية- الطائفية-القبلية» المحددة بالقانون.  وبالتالي يجب أن تسود ثقافة القانون في المجتمع من خلال غرسها جبريا وليس طوعيا في نطاق الاسرة والمدرسة والشارع، مع ضرورة تطبيق العقوبات الصارمة على المتجاوزين والمخالفين، والتي يجب أن تطبق على الكبار قبل الصغار! فمن الواضح أن تزايد حالة التساهل مع المتجاوزين للقوانين هو الذي عظم حالة الفلتان في المجتمع. .. وبالطبع العمل السياسي الفردي هو سبب مهم في ذلك.
باختصار.. دستور 1962 لم يعد صالحا لحياتنا المعاصرة، لأن من كتبوه- وهم اناس صالحون ومحبون للبلد ولا يمكن التشكيك بهم وبأفكارهم- كتبوه لتلك المرحلة العصيبة والتي كانت نتاجاً لصراعات سياسية داخلية مع وجود تهديدات خارجية خطرة، وبالتالي كان دستور 1962 هو الصيغة المثلى لتلك المرحلة،  مع انهم اكدوا على ضرورة اعادة مراجعته بعد مرور خمس سنوات.  الآن نحن بحاجة ماسة الى تنقيح دستوري جاد يستهدف «1» تحقيق مدنية المجتمع ، «2» سيادة القانون «3» تأصيل العمل السياسي عن طريق الاحزاب «4» المزيد من الحرية والديمقراطية «5» تفعيل شراكة الشعب في ادارة المؤسسات ومراقبتها.  صحيح أن تنقيح الدستور عملية صعبة جدا بسبب ما يحققه الدستور الحالي من منافع جمة للقوى المؤثرة في المجتمع، ولكن ان توافرت الرغبة الصادقة - والتي لا تراعي في حرمة الوطن كائناً من كان, فإن النجاح سيكون حتميا.  ما عدا ذلك، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من دون أن نحقق تطورا تنمويا ملموسا على مستوى الحياة السياسية الكويتية.

الأحد, 24 ديسمبر 2017

تأنيث البطالة ..!

من بين السمات الأساسية التي تشخص أوضاع المرأة العاملة في البلدان العربية « تأنيث البطالة»،  بمعنى ضآلة نسبة النساء العاملات في اجمالي قوة العمل في العالم العربي، وتنامي البطالة في أوساطهن، فقد سجلت المنطقة العربية أدنى معدّل للمشاركة في القوى العاملة بين جميع مناطق العالم، ومن بين أسباب ذلك: انخفاض مشاركة المرأة، وذلك رغم ارتفاع عدد النساء العاملات في البلدان العربية مما يقارب السبعة ملايين عاملة في أوائل السبعينات من القرن العشرين إلى نحو تسعة ملايين عاملة في أواخر الثمانينات. وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية قد شهدت زيادة في معدل المشاركة في القوى العاملة النسائية في العقدين الماضيين، فإن نسبتهن إلى مجموع قوة العمل ظلت تتراوح بين 22.8% في عام 1990 و 29.0% في عام 2010،  وإن اختلفت تلك المعدلات من بلد لآخر، حيث نجد أنه في بعض الدول العربية لا يزيد معدل مشاركة المرأة في قوة العمل عن 20% فمثلا بلغ هذا المعدل في اليمن 12.1%، والإمارات 14.5%، وقطر 14.7%، وسوريا 15.1 %، و السعودية 15.5%، والجزائر 17.0%. هذا مقابل متوسط عالمي يصل إلى نحو الـ 60%.
وبينما أحرزت المنطقة العربية تقدّماً في التحصيل العلمي للذكور والإناث على حد سواء «وإن تفاوتت نسب ذلك من منطقة لأخرى»، فإن المكاسب المحققة في هذا المجال لم تعكس آثاراً إيجابية على مشاركة المرأة في القوى العاملة بشكل ملحوظ. فالفقر، وتعثر التنمية الريفية، وانتشار النزاعات المسلحة، والتمييز في القوانين، وانتشار التقاليد المحافظة كالزواج المبكر، جميعها من العوامل التي تعوق انخراط المرأة في الشأن العام، ولا سيما في سوق العمل ما يشكل هدراً كاملاً لطاقات ومكامن القوى البشرية القادرة على العمل في العالم العربي، الذي يتمثل بضعف استثمار وتوظيف الموارد الذي يُعد ذا أهمية كبرى بالنسبة للدول. وتشير البيانات الاحصائية المتاحة إلى أن بطالة الإناث تبلغ حداً غير مقبول من الارتفاع في المنطقة العربية بالمقارنة مع المتوسط العالمي. فمعدل بطالة الإناث في المنطقة يقارب الـ 19%، بينما لم يتجاوز المتوسط العالمي 6.2% في عام 2011.
   ويبدو أيضاً أن هناك اتجاهاً لتأنيث البطالة،  حيث يشير أحد تقارير منظمة العمل العربية إلى أن بطالة النساء تتراوح بين ضعفين و 4 أضعاف بطالة الرجال، مما يؤثر سلباً في معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة في البلدان العربية. وبالمقابل افاد التقرير الدوري لمنظمة «الاسكوا» الصادر في عام 2013 تحت عنوان: «المسح الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية 2012 / 2013، بأن الدول العربية سجلت أكبر نسبة بطالة بين النساء في العالم، إذ يمثّلن 40 % من مجموع العاطلين عن  العمل، مقابل 25% من القوى العاملة، وذلك على الرغم من انخفاض مستوى مشاركتهن الاقتصادية. هذا مع العلم أن نسبة القوى العاملة للنساء إلى إجمالي القوى العاملة في دول آسيا الشرقية والباسفيك بلغت 70 % وجنوب آسيا 43.6 % وفي أميركا الجنوبية ودول الكاريبي 42 %. 
وبالتالي، يمكن القول إن البحث عن تنمية حقيقية في الوطن العربي يظل أمرا بعيد المنال ما دام الوضع الاقتصادي للمرأة غير صحي وغير سليم.

الخميس, 21 ديسمبر 2017

تحدي ناصر صباح الأحمد

شهدت الساحة الشعبية الكويتية  تفاؤلاً شديداً عند سماع خبر تعيين الشيخ ناصر صباح الاحمد الجابر الصباح نائبا أول لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع.  فالكثير من ابناء الشعب فقدوا الايمان بتحقيق انجازات حكومية تذكر في السنوات العشرين الاخيرة، وأصبحت حالة اليأس هي السائدة في الساحة السياسية الكويتية، سواء بين النخبة أو عامة الشعب، وهو امر أبدا لم يكن مستغرباً بسبب التراجع الشديد الذي تعرض له البلد في مؤشرات الصحة والتعليم والتنمية والتطور الاقتصادي، أو في مدركات الفساد وغيرها.  فالبلد كان على «طمام المرحوم» .. اقتصاد ريعي ويعتمد على مداخيل النفط بشكل تام وكامل، مؤسسات رسمية متهالكة وغير فاعلة ويقوم عليها اشخاص اتى معظمهم على «صهوة الواسطة» أو «المحسوبية» أو «التنفيع»! وقطاع خاص غير منتج ويعتمد اعتماداً كلياً على «المناقصات» المقدمة من الدولة، فـ «حنفية» الدولة كانت ولاتزال «بزبوز الهنا» لهذا التاجر أو ذاك، ما انتج لنا «طبقة» اقتصادية ضررها أكثر من نفعها!
في ظل هذا الوضع «غير الصحي»، وفي تزايد طبقة الفاسدين والمرتشين من وزراء ونواب وسياسيين وتجار وكتاب ومثقفين، في الوقت الذي تراجعت شعبية «القدوة الحسنة» في المجتمع، لا يمكن أن نلوم الناس، صغيرهم وكبيرهم، عندما تتلبسهم حالة اليأس من الاوضاع المحلية. إن تفكير الناس وتوجهاتهم وتوقعاتهم كلها تكون نتيجة للخبرات التي يتعايشون معها يوما بعد يوم، وما العبث المستمر الذي يحدث على المستوى المحلي إلا تأكيد لقناعاتهم بأن الحال ليس على ما يرام، ولن يكون كذلك.  نعم إنها حالة احباط لم يكن لها نظير في تاريخ الحياة الكويتية في الخمسين سنة الأخيرة وبالتالي، كان تداول اسم الشيخ ناصر صباح الاحمد في بورصة المرشحين في التشكيل الوزاري الاخير، ومن ثم تأكيد الخبر في اعلان التشكيل نفسه، شكل نوعا من الراحة النفسية لهم وأزاح إلى حد ما «ألم القلق» الذي انتاب حياتهم.
هذا الشيء وإن كان شعورا جميلا يستحقه أبوعبدالله، إلا أنه سيشكل ضغطا كبيرا عليه، فالناس تضع فيه ليس أملها في تجاوز الاشكاليات الحالية التي تواجه المجتمع فقط، وإنما أيضا تضع به أمل ابنائها وأحفادها والذين سيعانون إن لم ترسم لهم سياسات مستقبلية ناجعة.  شخصيا، لدي شعور بنجاح الشيخ ناصر صباح الاحمد في المسؤولية التي يتحملها، لأنه في عين الجميع هو «رجل المرحلة المقبلة».  لقد عملت مع أبي عبدالله لأكثر من اربع سنوات من خلال مزاملتي له في المجلس الاعلى للتخطيط، وأدركت جيدا خلال تلك الفترة الامكانات الفكرية والعملية التي يمتلكها الشيخ ناصر فيما يخص مواضيع التنمية الاقتصادية والتخطيط المجتمعي سواء على المستويات البنائية العليا أو الصغرى، وقدرته الذهنية السريعة في فهم الامور وكيفية التعامل معها، أو مع المتغيرات المرتبطة بها.  الشيخ ناصر صباح الاحمد شخصية سيكون لها تأثير واضح على مستقبل الكويت، وهذه حقيقة يعرفها جيدا من عملوا ومن سيعملون معه. نسأل الله لأبي عبدالله التوفيق والنجاح.

الأحد, 17 ديسمبر 2017

وداعاً سعد المعطش

ماذا فعلت بنا يا أبا صالح؟ ماذا فعلت بكل أحبابك واصدقائك ومن يعرفونك ومن لا يعرفونك؟ لقد أبكيت الكل.. وحزن الكل وكأنهم فقدوا قطعة من أرواحهم .. بل – وبالنسبة لي – لقد فقدت جزءاً كبيراً من روحي في غيابك .. غيابك المر الذي أوجعني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.  كان موعدنا الاحد «اليوم».. بعد عتابك القاسي لي بسبب غيابي في الاسبوعين الاخيرين عن ديوانك .. وها أنا أعود للديوان ذاته لأعزي الحضور في رحيلك المفاجئ .. أدخل «حديقة الديوان» ويستقبلني اخوتك وهم يقولون لي «عظم الله اجرك بأخيك» .. والله يشهد إنك كنت أحب لنفسي من نفسي يا أخي الغالي. لقد آلمني وأدمى قلوب الكل غيابك غير المتوقع، ولكن – ولأننا مؤمنون بقضاء الله وقدره – لا نستطيع إلا أن نقول «إن لله وإنا إليه راجعون».. لله ما أعطى ولله ما أخذ.  يا أبا صالح، يا نظيف القلب.. يا كريم الكف.. يا عفيف اللسان.. لقد سمعت احبتك يستودعونكم الله واياديهم مرفوعة للسماء وألسنتهم تصدح بمديح خصالك الكريمة.  أخرج من العزاء وكل صوت بداخلي يريد أن يصرخ من الاعماق على فراقك، ولكنني لم أجد أكرم وأصدق من هذا الدعاء الذي أودعك به:  «اللـهـم عامله بما انت اهله ولا تعامله بما هو اهله. اللـهـم اجزه عن الاحسان إحسانا وعن الإساءة عفواً وغفراناً. اللـهـم إن كان محسناً فزد من حسناته, وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته. اللـهـم ادخله الجنة من غير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب. اللـهـم آنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته. اللـهـم انزله منزلاً مباركاً وانت خير المنزلين. اللـهـم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. اللـهـم اجعل قبره روضة من رياض الجنة, ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللـهـم افسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فراش الجنة. اللـهـم اعذه من عذاب القبر, وجاف ِالأرض عن جنبيه. اللـهـم املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور.
وداعا أبا صالح.. وداعا يا أخي.

الأحد, 10 ديسمبر 2017

بلد المتناقضات

خبراؤنا الدستوريون كل واحد منهم له رأي قانوني يختلف عن الآخر حول انعقاد جلسة مجلس الامة والحكومة المستقيلة! اطباؤنا كل منهم له رأيه الطبي الخاص به حول فائدة أو ضرر استخدام «اوميغا 3».. «اسبرين».. فيتامين «دال».. وهلم جرا!! أهل الرياضة أيضا مختلفون حول «مسألة الايقاف»، ويتناقضون حول «الاسباب» التي أدت إلى «الايقاف» نفسه. الاقتصاديون كل منهم في واد يهيمون.. وإلى الآن لا أحد منهم استطاع ان يقنعنا بمشروع اقتصادي تنموي حقيقي وجاد!! كل دكتور جامعي وكل استاذ تربوي له رؤيته الخاصة والتي تختلف أو تتناقض مع الاخرين من زملاء المهنة!! كل نائب له اجندة مخلتفة عن الاخر رغم انهم ازعجونا ليل نهار عن سوء تردي الاوضاع الصحية والتعليمية والخدماتية في البلد.
بلد لا يستند في حياته اليومية على رؤى واضحة، ولا قوانين واضحة، ولا توجهات واضحة، ولا مستقبل واضح! كل شيء متناقض وغامض في الوقت ذاته، وللدرجة التي اصبحنا لا نملك اتفاقاً عاماً حول شيء ما ، ولا عجب ان اختلفنا في الغد في امور بديهية وسهلة جدا! على سبيل المثال، تعتبر الهوية الوطنية أمرا واضح المعالم في جميع دول العالم إلا في الكويت، فأنت قد تحمل «الهوية الوطنية» ولكن تصنف على انك لست كويتيا لأن احدهم يعتقد ذلك .. وقد يتمادى ويشكك في ولائك للوطن .. ومع ذلك فإن من يفترض فيه تطبيق القانون قد يقف أمام الجميع ويصفق لهذا المجنون ويعتبره بطلا قوميا، وقد يعين وزيرا في الحكومة أو يدعم ليكون نائبا في البرلمان.
إن الشخصانية هي التي تحكم المزاج العام في البلد في كل شيء حتى بين من هم يمثلون النخبة! اتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أن الدكتور محمد المقاطع قال ان استجواب عادل الصبيح على وزارتين «الكهرباء والاسكان» هو امر غير دستوري، بينما اعتبر استجواب يوسف الابراهيم عن الوزارتين اللتين كان يشغلهما آنذاك «المالية والتخطيط والتنمية» استجوابا دستوريا. وإذا ما نزلنا للشارع سنجد أن هوة الخلافات والتناقضات حول امور بسيطة وتافهة هوة شاسعة جدا وتتجذر في السلوكيات نزعات مذهبية وعائلية ومناطقية وقبلية!! إنها وباختصار اضحت حالة ثقافية متعمقة في نفوس الافراد من اكبرهم إلى اصغرهم.
هذا الوضع غير الصحي، لا يمكن أن يصنع مجتمعاً صحياً ولا افراداً صحيين في توجهاتهم ونزعاتهم الذهنية والسلوكية. وقد يتساءل احدكم وما الحل؟ بكل صراحة، وبدون لف ودوران، نحتاج مجتمعيا إلى تطبيق سياسة «الافكار المحروقة» والتي اعني بها «تدمير كل الافكار والقيم التي تعشعش في ذهن الافراد حاليا.. وزرع افكار وقيم جديدة وذلك عن طريق رؤية تربوية وتعليمية وثقافية مدروسة جيدا». صحيح أن هذا الامر يعد صعبا ويحتاج لتضحيات كبيرة، إلا انها تضحيات مستحقة وواجبة.

الخميس, 07 ديسمبر 2017

هيبة وزارة الداخلية!

هناك رواية تحكى عن رجل أمن توقف عن مخالفة أي شخص يتخطى قوانين المرور، والسبب أنه في يوم من الأيام استوقف صبيا عمره اربعة عشر عاما كان يقود سيارة بدون رخصة قيادة وبشكل متهور كاد يتسبب فيه بحادث خطر على شارع رئيسي وقد وضع رجل الأمن الصبي الصغير في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة وذهب به إلى المخفر، والمفاجأة أن هذا الصبي كان ابن شخص متنفذ.. ما تسبب في توقيفه عن العمل لأشهر عدة. في العام 2003، وفي سوق المباركية، طلب رجل أمن، ومن خلال ميكروفون سيارة الشرطة، من شاب أن يحرك سيارته.. فما كان من صديق الشاب الذي يقف في الطرف الثاني من الشارع.. إلا ان صرخ بصوت عال جدا قائلا لصديقه: «خله يولي»!
قصتان من مئات القصص التي تعكس التحول المهم في هيبة رجال الأمن بصفة خاصة ووزارة الداخلية بصفة عامة.  تلك الهيبة التي كانت تجعلنا نرتجف خوفا عندما كنا صغاراً حتى لو لم نفعل شيئاً. أتذكر جيدا أن سيارة «الداتسون 180 بي» السوداء كانت ترعبنا حتى وإن كنا جالسين أمام منازلنا الساعة التاسعة مساء، كان رجل الامن يثير الرعب في نفوس الناس، ليس بسبب تعجرفه أو سلطويته، بقدر ما كانت وزارة الداخلية ذات هيبة كبيرة جدا بين افراد المجتمع. إن هيبة رجال الأمن كانت تعكسها قوة وزارة الداخلية في تطبيق القوانين ضد كل من يحاول أن يكسر القانون وبأي شكل كان.
أما اليوم.. فالوضع عكس ذلك تماما.  لم تعد وزارة الداخلية ذات أثر كبير في حياة الافراد، ولم تعد تشكل هيبة بين افراد المجتمع، وكل ذلك انعكس تماما على هيبة رجل الأمن.  والسبب في ذلك يعود إلى استشراء حالة الواسطة والمحسوبية في عمل الوزارة وخاصة ضد من يتصرفون برعونة واستهتار في قيادتهم أو من يسلكون سلوكيات عنيفة في تصرفاتهم اليومية. لم تعد «الداخلية» كما كانت سابقا، وإلا فكيف تفشل في اقل من اسبوعين في تطبيقها لقراري «ربط حزام الامان» و«التحدث في الهاتف»؟! شخصيا، راهنت العديد من الاصدقاء على أن الداخلية لن تصمد في تطبيقها للقرارات الجديدة.. وبالفعل كنت مصيبا.. لأنني أعي جيدا أن هناك قوى في المجتمع أقوى من وزارة الداخلية نفسها.
أبداً، هذا الأمر لا يفرحني.. بل انه يحزنني جدا لأن هيبة وزارة الداخلية تمثل هيبة المجتمع كونها المسؤول الاول عن الامن الداخلي.  كما أن هيبة رجال الامن تهمنا جدا لأننا نأتمنهم على حالنا ومالنا وأمننا.  لست فرحاً بما يحدث، ومن يفرح بما آل إليه وضع وزارة الداخلية هو انسان لا يهمه أبدا أمن البلد وأمانه.  ولكن في الوقت ذاته، أتمنى أن يتغير الحال، وأن تصبح هيبة وزارة الداخلية وهيبة رجال الأمن في مكانها الصحيح.  رجال الامن بحاجة إلى دعم معنوى ومادي.. وهم بحاجة لمنحهم القوة التي يخشاها الصغير قبل الكبير، وخصوصاً من يعتقدون أنهم فوق القانون من المتنفذين وأبنائهم، والله من وراء القصد.

الصفحة 1 من 21